كريكيش تنفض رماد «حريق القديح» بالفرشاة والألوان

استيقظت ذات صباح ولا شيء في ذاكرتها غير صور لنيران تستعر، وفزع نسوة وصراخ أطفال، وهي وسط ذلك كله، طفلة في العاشرة من عمرها تقريبًا تحاول كغيرها الفرار دون أن تلتفت إن كان ذلك الفرار سينجو بها حتمًا، أم أنه قد ينجيها من الموت، إلا أنه لن يحميها من ضرر الحرارة المشتدة، وبين الصراخ، والهرب، ومحاولات الخلاص، هي -حقًا- لا تذكر شيئًا غير الرماد، ورحلة علاج إلى أمريكا ولدت فيها موهبة فنية.
الحكاية هنا لواحدة من ضحايا حريق القديح الشهير، والذي داهم إحدى خيام الأعراس عام 1999م، ونتج عنه 76 حالة وفاة، ومئات الإصابات، ومن بين تلك المئات ولدت حكاية "زينب".
من هي؟
زينب حسين كريكيش فتاة في العقد الثاني من العمر، خريجة المرحلة الثانوية، بدأت دراستها الابتدائية في القديح، حتى الصف الرابع، ثم أكملتها في أمريكا أثناء رحلة العلاج في ولاية تكساس، وواصلت الدراسة هناك حتى نهاية المرحلة المتوسة، ثم عادت لتكمل دراستها الثانوية في مسقط رأسها مجددًا، وأصبحت فنانة تشكيلية رغم الإصابة البالغة في يديها.
الوجع يعطب الذاكرة
تحاول كريكيش أن تحكي لـ«القطيف اليوم» بعض فصول المأساة، إلا أنها لا تذكر التفاصي كما تقول، لكنها تسترجع ذكريات ما بعد الحادثة، بعد أن أتى الحريق على كامل جسدها تقريبًا -كما تصف-، وهو الأمر الذي جعلها ترتحل مع والديها إلى أمريكا، ضمن من بعثتهم الدولة للعلاج هناك.
في أمريكا
طفلة في الصف الرابع الابتدائي، قست عليها النيران، ولم ترحم عمرها الغض، شأنها في ذلك شأن الكثير من الحاضرات، ممن جلَدهن الحريق بسوط تشوهاته، فها هي زينب في الغربة مع والديها في محاولة لعلاج تلك الأضرار، والتي كان من بينها أضرار بالغة في كفيها الصغيرتين، على الرغم من ذلك، فإن سطوة النيران لم تستطع أن تحيل الأمل في داخلها رمادًا.
بدأت رغبة الرسم تراودها، تستظل بسماء إرادتها، تطرق على كفيها الصغيرتين بكل حنان، حتى كشفت عن رغبتها لوالديها، ومن هنا بدأت ولادة الموهبة، فقد كان الكفان اللذان تمتلكهما بارعين في عزف سيمفونية الفن، ورغم ما أصابهما وقت الفاجعة، إلا أنهما لم تفقدا التحدي، حتى تجردتا من كل رجفة، وواصلتا العزف بالألوان على أي خامة تصادفها.
قصص ملونة
تذكر زينب لـ«القطيف اليوم» أنها في وقت علاجها بأمريكا اكتشفت موهبتها في الرسم، فقد كانت تذهب إلى مكتبة المدرسة هناك أسبوعيًا، وتستعير الكتب ذات الرسوم الكرتونية، لتقوم بعد ذلك بتقليدها، ومن هنا اكتشفت موهبتها.
تتمة الحكاية في بلد الغربة أيضًا، فبعد انتقالها للمرحلة المتوسطة، وبعد أن كان الرسم لديها مجرد هواية وتقليد، أصبح الأمر أكثر احترافية عندما بدأت في تلك المرحلة بدراسة الرسم ضمن حصص جدولها المدرسي، وقد كان لمُدَرستها هناك دورٌ في صقل تلك الموهبة، خصوصًا أنها كانت تُظهر سعادتها وابتهاجها لكل لوحة تنجزها زينب.
تصقلها
لم تقف التشكيلية الصغيرة في رعاية موهبتها عند المناهج المدرسية فحسب، بل حاولت صقلها بعد عودتها من رحلة العلاج، من خلال عددٍ من الدورات، بدأتها بدورة رسم البورتريه مع دورة لبعض أنواع الألوان عند المدربة غادة العلوي، وكانت العلوي سعيدة جدًا بمستواها، وبعد عدة سنوات التحقت بدورة للمدربة منى العلوان.
الأم هي الحاضنة دائمًا
تقول كريكيش: "حاولت والدتي إبراز موهبتي، فجعلتني ألتحق ببعض الدورات، كما اتخذت أسلوبًا خاصًا في تشجيعي فقد كانت تعرض أي لوحة أنجزها على العائلة، وعلى الرغم من أنها تقوم بعرضها للأهل فقط إلا أن ذلك كان سندًا مميزًا لي فقد كنت أقرأ حروف الفخر في تصرفها ذلك".
تبحث عن النور
سيجد المتأمل للوحات زينب أنها تلامس الإبداع، وتتسم بالدقة، على الرغم من ذلك فهي لم ترَ النور غير مرتين في مهرجان "الدوخلة"، حيث شاركت في كل مرة بلوحتين فقط، ولم تجد من التكريم ما يوازي موهبتها، فقد تم تكريمها مرتين فقط منذ عامين تقريبًا، التكريم الٱول كان من لجنة تكاتف، والثاني من جماعة الهدى الدينية بالقديح.
وهوايات أخرى
تلك الفنانة لم ترهن نفسها للورق والألوان فقط، فهي قارئة نهمة تتناول في وجباتها القرائية الروايات والكتب الدينية والثقافية، كما تمارس أيضًا أعمالًا بالكروشيه، تلك المهارة التي جذبتها وهي ترى الكثيرات يمارسنها وينتجن فيها، مما دعاها لتعلمها عن طريق الإنترنت حتى أتقنت الكثير من الأشياء فيها، تقول:" الحمد لله مستواي في الكروشيه يعد جيدًا جدًا، وذلك لأنني لم أستمر في ممارسته، وها أنا أعد نفسي بالعودة، وإن شاء الله تكون عودةً قوية.
ختامها أمنية
في حديثنا معها رسمت كريكيش صورة واضحة الملامح لمعنى الإصرار والتحدي، تقول :"رغم أن يديّ قد تضررتا من حادثة الحريق، إلا أنني ولله الحمد لم أقف عاجزة أشاهد تفاصيل حلمي، وأصوغها خيالات في عقلي، بل تحديت كل صعوبة واجهت الطفلة التي كنتها قبل سنوات، فمن لديه حلم لا توقفه أو تعيقه إصابة وإن كانت صعبة، فالأمل يولد النجاح دائمًا، ولا حواجز أمام حلمك".
وأضافت: "باختصار بعد إصابتي كنت أرى العالم مفقلًا من جميع النواحي، ولكن بمساعدة أهلي ومع الإصرار على النجاح، وتحدي ما قد نظنه عائقًا، أصبحت أرى العالم بألوان لوحة خلابة، وهو يمتلئ تفاؤلًا".
وختمت بأمنيتها في أن يكون لها مرسمها الخاص، لتمارس فيه هوايتها، ولتصدر من خلاله لوحات ترسم الإبداع المولود من رحم التحدي.



















