أم كلثوم العلوي: الكثير لا يدرك الفرق بين العملين الفني والروائي

المتتبع لأعمال التشكيلية أم كلثوم العلوي التجريدية الحروفية يجدها ترمز إلى اجتماع مجموعة من الأشخاص في وضع معين، وفي الاتجاه نفسه، كما لو أنهم يصلون أو يتأملون. القوة عادة لا تنشأ من وجود شخص بمفرده، بل تنشأ من الاجتماع والوحدة. أما بالنسبة لعدم رسم أي ملامح أو تفاصيل لهذه الشخوص والاعتماد على التجريد في ذلك، فترى أم كلثوم أنه من أجل إلغاء انتمائهم لعرق معين أو مكان معين أو جنس معين، فهم يظهرون مختلفين في الألوان والأحجام، لكن في النهاية هم يبدون كما لو أنهم شخص واحد متكرر بعدة صور.
يتشابهون رغم الاختلافات
وهذه حقيقة البشر مهما اختلفت أشكالهم وألوانهم وأعراقهم وأديانهم، فهم في النهاية يتشابهون رغم كل الاختلافات، ولو أدرك الإنسان حقيقة الفرق بين الاختلاف الظاهري الذي يراه بينه وبين باقي الناس حوله وحقيقة التشابه الباطني أو الروحي لاستطاع العيش بسلام مع كل البشر رغم اختلافهم عنه، لكن الإنسان في الحقيقة موهوم بفكرة أنه مختلف ومميز، والأفضل عن غيره، وهذا ما يصنع لديه حاجزا أو عدة حواجز بينه وبين الناس من حوله، ويمنعه من القدرة على التعايش مع الجماعة لعدم قدرته على الانتماء إليهم.
ابتكار
وتتحدث أم كلثوم المنحدرة من مدينة صفوى بمحافظة القطيف، عن كيفية استخدام الهندسة في رسم هذه الأعمال بالقول:» لو نظرنا إلى الأشكال الهندسية التي نعرفها، فسنجد الدائرة التي تعبر عن الما لانهاية، وسنجد المربع والمستطيل والمعين ومتوازي الأضلاع والمثلث التي تعبر عن الحيز المحصور بداخل أضلاعها ومحاورها، وتعطيه شكلا معينا، لكن على الناحية الإبداعية وظيفة الفنان أن يحاول إعادة صياغة هذه الأشكال المتعارف عليها، ويبتكر أشكالا تخصه وتميز أسلوبه وبصمته، ومن هذا المنطلق قمت بابتكار أشخاص شبيهة بأشكال الأصابع».
وتضيف لـ صحيفة "الرياض": «عندما نتكلم عن لغة الأصابع التي تندرج تحتها لغة الإشارة، فسنجد أن الأصابع لها معان مختلفة حسب الوضعيات التي تكون فيها، فهي تعبر عن الكلمات بطرق حسية لا بطرق لفظية مثل باقي اللغات، كما أن هذه الأشكال التجريدية شبيهة بأحرف اللغة العربية، فلو نظرنا إلى بعضها فسنجد حرف اللام وحرف الواو وحرف الراء وحرف الألف وغيرها متجسدة بشكل واضح وصريح في تكوين الشخوص».
المعنى والمضمون
عن التساؤلات المتداولة بين الناس عند رؤية أي عمل من أعمالها الفنية تقول التشكيلية أم كلثوم: «المشاهد يحاول إيجاد معنى وتفسير له، ويغفل عن التأمل في جمالياته والغوص في أعماقه، فالكثير يتعامل مع العمل الفني كما لو أنه قصة أو رواية أو فيلم سينيمائي، ويطالب الفنان بأن يشرح له المعنى والمضمون؛ لأن الكثير لا يدرك الفرق بين العمل الفني والعمل الروائي والقصصي ويخلط بينها. وربما يعزى السبب أن كثيرا من الفنانين غفلوا عن إبراز مكنونات العمل الفني، وقاموا بتحويله إلى عمل قصصي كما لو أنه صورة فوتوغرافية ملونة».
حركة ديناميكية
اللافت كثيرا في هذه الأعمال هذا التكرار للمفردة عبر تشكيلات متنوعة، هذا التكرار من شأنه أن يعمل على زيادة جمالية وجاذبية العمل الفني. وبهذه الأنماط المختلفة في التركيبة والتكوين يخرج العمل الفني عن إطار الشكل الهندسي الجامد الميت، ويعمل على خلق حركة ديناميكية تأخذ عين المشاهد في جولة بين خفايا وأعماق العمل الفني.
فهذه الوضعيات الهندسية التي يخلقها التكرار، توحي إلى كثير من الرؤى المختلفة التي تترجمها عين المتلقي حسب خلفياته وخيالاته في تحليل الشكل واللون والخط والتكوين إلى صورة أو عدة صور تترسخ في ذاكرته بطريقة ما.
مساحات حرة للوعي وللفكر
وهذا هو الفرق بين العمل التجريدي والعمل الواقعي أو باقي الأساليب الفنية. فالعمل التجريدي عند أم كلثوم يخلق مساحات حرة للوعي وللفكر وللخيال في التحليل والتفسير والترجمة. ويخرج العمل الفني عن إطار مصمت جامد ذي صورة واحدة في ترجمته، وهذا هو الفرق بين وظيفة الفنان ووظيفة الروائي أو الكاتب. الفنان يخلق بفنه مساحات وتكوينات يعبر عنها بالخط واللون، أما الكاتب أو الروائي فيخلق بكتاباته قصة لها سيناريو ذو طابع معين، متسلسلة الأحداث ولها بداية ونهاية معينة. أما العمل الفني فربما يعبر عن الما لانهاية. فهو مرتبط بالسلسلة التي سيطرحها الفنان فيما بعد ويضيفها إلى فنه مع مرور الزمن والتقدم في الخبرة والوعي.



