لماذا أنا بالذات؟!

ينزوي بجانب كئيب من غرفته، يحتضن وسادته وهو يسكب دمعة تندب حظه العاثر، تحوم به دومة التفكير التي تنتج أنهارًا جارية تصب في بحر لوم الآخرين واتهامهم بالتقصد في إيذائه والتقليل من شأنه، وتصويب سهام الكلام الجارح ليتلقفها فؤاده بمهارة ليطلق صافرة "الغبنة" الموجعة عند تذكر أي موقف مس قلبه الرقيق.
هذا ليس نسجًا من الخيال ولا محاولة لصف الكلام، بل هو وصف لبعض الحالات التي دائما ما تندب حظها وإيقاع الخطأ على الآخرين، وهناك جملة تحوم في فضاء تفكيرهم دومًا وهي لماذا أنا بالذات؟
نحن لا ننكر أنه قد يتعرض المؤمن لكثير من الابتلاءات التي تخصه المحبة الإلهية بعظيم الأجر بتحملها دون غيره من الأقران، والفوز في اختبارها الذي يمنحه الله بعض المؤمنين دون غيرهم، لأنهم أهل للنجاح فيه لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
فيستحيل أن يكلف الله شخصًا فوق طاقة احتماله، ولكن الإنسان بفطرته جزوع وقليل الصبر وقد لا يكتشف ما لديه من إمكانيات وقدرات إلا بعد الاختبارات الصعبة التي يهيئها الله بها ليعرف نفسه فيها، ليرتقي لمعرفة الله إذا فاز بمعرفة نفسه.
نحن نرى عند الرياضيين في تمارينهم قد يقسو عليهم المدربون بتمارين شديدة على اللاعبين الذين يريدون إخراجهم كمتميزين لكنهم يحرصون على أن لا تؤذي أجسادهم، بل تجعلهم يعتادون عليها بالاستمرار، فاليوم الذي يكون حمل 80 كيلوجرامًا ببداية التمرين صعبًا، فبعد الشهر سيكون هذا التمرين بسيطًا جدًا وبالإمكان التعود على أكبر منه.
لهذا نخلص بنتيجة أن الاختبارات الصعبة والمخصصة نوع من التميز يتحفه الله من يشاء من عباده، قد نرى أناسًا يمرون بمصيبة الفقر تتلوها مصيبة الفقد وتتلوها مصيبة الدين وغيرها وكلها قد يأتي تباعًا، لكن بالتأكيد رحمة الله تحوطهم بالعناية واللطف الذي لا يغيب عن عباده، ففي اللحظة التي تضيق الدنيا بما رحبت على الشخص المبتلى ترى إعجاز الله برحمته بتسخير الحل ليأتي ويرسم بسمة لا تزول من شفاه من قاربوا الاحتراق بحفرة اليأس.
وخير بلسم يبلسم جراح المبتلين بهذه الدنيا ومصائبها، وكان ولايزال سلوة كل من ظن أن البلاء منصب عليه بالذات ليكسر خاطره دون غيره، أعني المولى الحسين (ع)، فقل لي بربك من ذا في هذا العالم لجأ لبيت الله الآمن الذي هو أمان للعالمين وأقام فيه لشهور ليؤدي فريضة الحج، وحين لم يتبق إلا يوم واحد على الحج، خرج مزعوجًا كي لا تنتهك بقتله حرمة البيت الحرام من قِبل من لا يخاف الله.
نحن نبتلى بالابتلاءات والمصائب نعم، لكن لو وضعناها بميزان مصائب الحسين فهل تُعد تذكر، أما أنها تخرج مطئطئة لرأسها خجلًا من الكم الهائل من المصائب التي خُص فيها الحسين بذاته دون غيره ولم يقل في أي واحدة منها لِما أنا بالذات؟ بل قال: "إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى".



