أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

تصفيق وصفير

الشيخ سمير آل ربح · القطيف اليومالخميس 23 أغسطس 2018، 4:21 م
تصفيق وصفير

ما إن انتهى حجاج بيت الله الحرام من أداء مناسكهم، حتى سارعوا للنفر من منى إلى مكة المكرمة استعدادًا لزيارة مقام النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم)، أو للعودة إلى ديارهم سالمين.

وقد اعتاد عدد غير قليل من الحجيج اتخاذ نفق الملك خالد طريقًا لهم؛ فتبدأ الحملات والأفواج بالانطلاق عند أول دقيقة من زوال اليوم الثاني عشر، وكأن ساعة الصفر قد حانت لشيء ما، وما إن رُفع الأذان حتى انهالت الحشود مندفعةً في طريق انسيابي منحدر.

ولكن المؤسف حقًّا أن تصاحب هذه النفرة بعض المظاهر المرجوحة شرعًا (كراهة وقد تصل إلى التحريم في بعض مراتبها)، منها الأهازيج التي قد تبلغ درجة الطرب والغناء، على إيقاع التصفيق والصفير.

قال تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} الأنفال: ٣٥.

المُكاء (بضم الميم) الصفير، والتصدية التصفيق بضرب اليد على اليد. الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، تفسير الآية ٣٥ من سورة الأنفال.

ومن واقع مشاهدتي رأيت بعض الحملات قد أعدت الأجهزة الصوتية الضخمة، واصطحبت بعض الرواديد لأداء هذه المهمة، فما على الرادود إلا أن يأتي بكلماته ليردِّد معه بعض حجاج بيت الله الحرام مصفقين مصفرين.

والحال أن منى، تلك الأرض المقدسة، قد نزل فيها قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} البقرة: ٢٠٣.

الأيام المعدودات هي أيام التشريق: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة. الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، تفسير الآية ٢٠٣ من سورة البقرة.

منى أرض الذكر والعبادة، وليست أرض الزعيق والصفير.

ناهيك عن بعض الشعارات المذهبية التي لا يفهم ظلالها المسلمون الآخرون من خارج الدائرة، من قبيل شعار "لبيك يا حسين". إنه يعزز قناعة بعضهم بأن هؤلاء مشركون، فهنا مقام التلبية إلى الله تعالى، فما الداعي لإقحام هذا الشعار، ومن ثَمَّ محاولة مستميتة لشرحه بأن المقصود هو الاستجابة لنداء الحسين (صلوات الله عليه) حين نادى وهو وحيد: ألَا مِن نَاصِرٍ يَنْصُرُنِي؟!

وقديمًا قالوا: لكل مقام مقال؛ أفهذا مقام هذا الشعار؟! أليس هذا شينًا لا زينًا؟!

وهل من أهداف الحج أن نكون فُرجة للقاصي والداني وقد رفعوا الكاميرات لتلتقط ما شاءت؛ لكي تبث عبر الأثير من ساعة تسجيلها، ونساهم معهم (وإن كنا غير ملتفتين) في تشويه صورتنا أمام العالم!

إن المأمول من أتباع جعفر بن محمد (صلوات الله عليه) أن يُراعوا خصوصية المكان، وأن يلتفتوا إلى أهداف الحج العليا، ليكونوا ذاكرين حامدين مستغفرين مصلين.
والحمد لله رب العالمين.