أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

العرانين الشم

هلال الوحيد · القطيف اليومالثلاثاء 11 سبتمبر 2018، 7:38 ص
العرانين الشم

جاءَ النبيُّ محمد (ص) لنشرِ القيمِ الإنسانيةِ والتسامحِ والمحبة وتكللت جهودهُ في زرعِ حقلٍ في بقعة تكاد تخلو من القيم. سنواتٌ قليلة عَبَرَ النبي بعدها إلى الحقيقةِ والجنة فهبت رياحُ التغييرِ التي كادت أن تُحرقَ الحقلَ الذي زرعه في كُليَّتِه. تغير المزاجُ ووصلَ مناوؤهمْ إلى عروشِ الحكم. لم ينتظروا طويلاً وقالوا هيَّا قبل أن تتجذر الأشجارُ التي زرعها محمدٌ (ص) في الحقولِ ولا نستطيع قلعها.

أطاعهم الشامُ والبصرةُ والكوفةُ ومكة والمدينة وقرروا استئصالَ الرحمِ الذي يلدُ العنادَ لهم. ذهب علي والحسن (ع) وبقي الحسين (ع) الجبل العاتي على العتاة. نقل الكتابٌ والقرطاسُ واللسانُ ما بقي من محبةٍ للحسين (ع) إلى سيوفٍ حادة حيث لم يكتفوا أن قالوا له "فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ" بل قالوا سوف نقاتلك باسم الله ربكَ وربنا.

بقي معه ثلةٌ قرومٌ، أَعِزَّةٌ أُباةٌ، عَرانينُ القومِ وساداتُهُم وأَشرافُهم لم يستطع أن يجمعَ أكثرَ من ذلكَ العدد القليل في مقابلِ أعدادٍ لا حصر لها ممن تجمعت فيهم كُلُّ الصفاتِ المقابلة في المحورِ السالب. قال لهم "استَعِينُوا بِاللّهِ وَ اصبرُوا إِنّ الأَرْض للّهِ يُورِثُهَا مَن يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ الْعَقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ" فالمشاريعُ الكبيرة لايلزمها ولا ينجزها الكثير من الرجالِ ولكن يعلقُ التاريخُ أوسمةَ ونياشينَ النصرِ على صدورِ قلةٍ من البشرِ عبر الزمن.

نظر الحسين (ع) ورأى نفسه غريباً في هذا العالم بعدما كان صغيراً يرتقي كتفَ الجد في المدينة المنورة، ينصحه الناسُ أن يجوبَ الشرقَ والغربَ يبحثُ عن كهفٍ يدخله أو وادٍ يهبطه أو جبلٍ لا يستطع العدو أن يرتقي إليه ولكنهم وفروا سيوفهم ونحورهم وقالوا بأصواتٍ مرتعشةٍ وألسنةٍ خرساءَ لسنا معك. لم يخذله العرانين الشم الذين سارَ بعضهم مع أبيهِ وداسوا طريقَ ذاتِ الشوكة، منهم الصغير ومنهم الشاب ومنهم من ارتعشت أطرافه ولم يرتعش قلبه. من يراهم كان يرى مجانينَ مستبسلينَ في مسرحِ الحربِ عرفوا كيفَ يضعونَ العصيَّ في عجلة القوة التي واجهتهم ويوقفوا خيولها الجامحة التي عزمت أن تجتثَ القيم كما اجتثتهم في بطنِ الوادي.

لا يصنع الساعات والأيام العتاة والمردة بل يصنعها العرانين الشم الأباة، يسيرون منفرين نحو المجد في الطريق الوعرة. هؤلاء يختارهم الربُّ والقائدُ والتاريخ بعنايةٍ في الخفاءِ حتى إذا ما احتاجهم في الفجرِ بزغوا مثلَ النجومِ في الليل. أجمل العواطف أضفاهَا عليهم القائد حيث لا يحتاجون شاهداً بعدها "أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم اللهُ عني جميعاً خيرا ألا وإني أظن يومنا من هؤلاءِ الأعداء غداً، ألا وإني قد رأيت لكم، فانطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم مني ذمام. هذا الليلُ قد غشيكم فاتخذوه جملا ثم ليأخذ كل رجلٍ منكم بيدِ رجلٍ من أهل بيتي ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج اللهُ فإن القومَ إنما يطلبوني ولو قد أصابوني لهوا عن طلبِ غيري". كان خلاصة المعرفة في جوابهم: كيف نذهب؟ "إنما هي قتلةٌ واحدة ، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا". هكذا ما أرادوا وهاكذا ما تحقق!