الأشواكُ الغضَّة

في كُلِّ سنةٍ وفي مثلِ هذهِ الأيام يستعرضنيْ شريطُ الذكرياتِ بعدما كنت أستعرضهُ ويستجديني بعدما كنتُ أستجديه. تمر بذاكرتي تلك المرأة التي كأنَّها رأت الغد.
كنتُ صغيراً أطوفُ حولَ قبرِ الحسينِ (ع) أتلصصُ واستمعُ أمانيَّ الكبارِ قبلَ نِصفِ قرنٍ، ألهو واختبِئُ بين أطرافِ وخُمُرِ النساء، أسمعُ أمنياتِهم وزعاريدهم وأنظرُ إلى عينونهم وأرى خفقانَ قلوبهم. ظننتُ حينها أن لسانَ النساءِ يمر بالقلبِ ولسان الرجالِ يمر بالعقل، الآن بعد عقودٍ عرفتُ أنْ ليسَ كل ما يبدو جميلاً هو من الحكمة!
يستجدي ذاكرتي صوتُ صبيةٍ طلبت ثلاثَ أمنيات، حَنَتْ رأسها، أرخت عينيها، أمسكتْ سِياجَ القبرِ بكلتا يديها ونادت الحسينَ كأنهُ ملاذها الأخير من الأشواكِ الغضة وحددت المطالبَ مثلَ رامي السهم الذي لا يخطأ ”سيدي أبغى زوجاً وولداً وزيارة“. عقلُ الطفلِ لم يراها صعبةً بل رآها تنساب في الزمن، يأتي الزوجُ ثم الولدُ ثم الزيارة، المالُ وافرٌ والحافلةُ موجودة والطريق آمن، أعجبتني وتبنيتها. زوجةٌ وأولادٌ وزيارة ورأيتُ نفسي كبيرا أقودُ سيارتي كي لا أنامَ مع الحافلةِ في "خانات" البصرة ويطول الطريق. لم أعلم أنها أمنياتُ صغيرٍ سوفَ يكون دونها خرطُ القتاد.
الآنَ وقد مضى خمسونَ عاماً على أمنياتِ الصبيةِ التي ربما هي في نهايةِ السبعينات من العمر، لعلها تقرأُ ما كتبتُ وتذكر أمنياتِها وهي تطوفُ على قبرِ السيدِ الكبير مع زوجها وابنها الذَّينِ تمنتهمَا فكل رجائي أن تذكرَ الطفلَ الصغيرَ الذي داسَ أطرافَ ردائها قبل خمسينَ عاماً وتعرفَ أنَّ ليلَ عمرهِ انقضى وبقيت أحلامهُ صغيرة وما كبرت. كم ودَّ لو أنَّ له جناحانِ يخترق كُلَّ الحدودِ ويذهب أينما شاءَ وكيفما شاءَ ومتى ما شاءْ.
أمنياتٌ صغارٌ يقفُ الرجالُ بينها وبينَ أن تصيرَ حقائق ، ربما يأتي يومٌ يتصالحُ فيه العالمُ وتُفتح الحدودُ ويعمَ الأمنُ وتنتفي بعضُ الأماني وتحل مكانها أماني جديدة. الإنسانُ هو الكائنُ الوحيد الذي يعتني بلونهِ وعِرقهِ ودينه. يقلدُ في العقائدِ والعبادات ويقتل عليها دونَ أن يختارها أو يتفحصَ محتواها لكنه يختارُ الفاكهةَ من أفضلِ فاكهاني ويشتريَ الساعةَ واللباسَ بعد أن رفضَ عشرينَ نوعاً ويختارَ السيارةَ والبيتَ بعد استشارةِ كل متخصصٍ وقراءةَ كل معلومةٍ ويأخذ العقيدةَ والعصبيةَ عن أبيهِ وأمه وكأنها شهادة ميلاد! يقتلُ من خالفهُ ويَشنَأ من لا يرى ما يراه. آهُ لو أدركَ الإنسانُ أن عيوبَ الروحِ والجوهر التي تسبب له الشقاءَ أشدَّ فتكاً من عيوبِ المادة.
الإنسانُ هو الكائنُ الوحيد الذي يَقلبُ النزاعَ من أجلِ السلطةِ والثروةِ إلى نزاعٍ ديني وحضاري. صراعٌ يَشغلُ الشرقَ والغربَ عن معالجةِ عوزهِ وضعفهِ ومعرفةِ أنَّ الشمسَ تُشرقُ على جميعِ الناسِ وتغرب عنهم دونَ استثناء. تَغَلَّبَ الإنسانُ على الطبيعةِ وقهرها براً وبحراً ولم يستطعِ التغلبَ على طبيعتهِ النفسية البغيضة، تبَّاً له من مخلوق.



