معركة كربلاء.. لوحة نادرة

كثيرة هي اللوحات الفنية التي تجسد واقعة الطف، من جوانب متعددة، وبالتقاطات بصرية متنوعة، بعضها مباشرة وأخرى رمزية، منجز هائل من اللوحات ضمن معالجات تقنية ومدارس وأساليب تشكيلية قديمة ومعاصرة، ثمة لوحة كبيرة الحجم موغلة في الزمن حيث تم رسمها قبل 100سنة، تقبع في أحد متاحف أمريكا، ونسخة مشابهة معلقة في أعرق متاحف هولندا، جاء في تعريفها، بشرح تاريخي مختصر يوضح للزوار محتوى ومضمون العمل، وقد كلفت الأخ محمد حسن الدرازي بترجمة النص الإنجليزي، والذي جاء فيه: (إن هذه اللوحة تمثل ذكرى استشهاد الإمام الحسين حفيد النبي، والإمام الثالث زعيم المسلمين الشيعة، قتل على يد قوات الخليفة الأموي يزيد بن معاوية في صحراء كربلاء، في وسط العراق عام 680م، قاد الإمام الحسين مقاومة ضد الحكم الأموي الذي يعتقد المسلمون الشيعة عدم شرعيته.
ومحور هذه اللوحة تصور الأخ غير الشقيق للإمام الحسين، أبو الفضل العباس معتليًا حصانه الأبيض، يطعن بشجاعة جيش يزيد، وعلى يسار اللوحة كثير من الجزئيات التي تمثل عذبات الإمام الحسين ورفاقه أثناء المعركة، وعلى يمين اللوحة ينظر الإمام الحسين ورفاقه نحو السماء في الجنان، بينما خصومهم في أسفل الجحيم.
إن لوحة معركة كربلاء تعيد تفسير المعركة الضخمة، وتوضح مدى التطور الفني في البلاط الزندي والقاجاري في إعادة التفسير الكامل للجماهير الشعبية خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
إن مثل هذه اللوحة تمثل إحياء في إعادة تمثيل المعركة التي دائمًا ما يعاد تمثيلها سنويًا من خلال المواكب الاحتفالية في التعزيات.
رسمها الفنان الإيراني (عباس الموسوي) على القماش بالزيت في مدينة أصفهان في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين خلال الفترة القاجارية، مقاسها 182.9×299.7 سم، وقعت تحت دراويش عباس بوفاسي - أصفهان وقد عثر على نقشين مهمين بالفارسية باسم الفنان على صدر اللوحة).
القراءة الفنية للوحة:
(Battle of karbala)
إنها لوحة بانورامية تستعرض سير وقائع معركة كربلاء وتوضح مجريات لما قبلها وما بعدها، يبرز عنصرا السيادة وهما الأكبر حجمًا والمتمثل في شجاعة وإقدام أبي الفضل العباس محلقًا بفرسه في ساحة الوغى، يطعن بسيف الحق أحد أعداء الدين ذي الوجه الشيطاني، مترنحًا للوراء من هول الضربة الماحقة، مفلوق الهامة والجبين والصدر، جاحظ العينين تحاصره سكرات الذل والعار يلفظ أنفاسه الأخيرة.
أما بقية المشاهد وهي الأصغر تكوينًا، فإنها تتوزع على بقية مساحات اللوحة من كل الجهات وهي تحكي (سيناريوهات) الواقعة بتفصيلاتها المفجعة، ويبرز من بين ثنايا الخلفية أبو الأحرار بتلألأ عنفوانًا في أكثر من مشهد.
إيقاع سردي يتصاعد بين تقاسيم الحق والشرف والفداء وبين مآل أصحاب الأباطيل والضلال، تتمثل اللوحة بالدينامكية المكثفة، أشبه بشريط سينمائي، تأخذ عين المشاهد ضمن رؤية متتابعة بالالتفاف حول عنصري السيادة، (محوري الحق والباطل) ليؤكد الفنان أن هذه الرؤية هي ديمومة مستمرة ومستعرة يالذكرى الأليمة والمعطرة بالعزة والإباء والكرامة.
إنه دوران لتوظيف الشكل كتعبير لا متتاهٍ ليعبر الأمكنة ويسبح في فضاء الأزمنة، لتبقى رمزية الحدث، حية أبدية تتوارثها الأجيال كتعاقب الليل والنهار.
يطلق على هذا العمل الصفة الواقعية المبسطة سواء من ناحية رسم العناصر وتكوينها أو طريقة تلوينها، فاللوحة لا تخضع للمفاهيم الأكاديمية الصرفة، كتوزيع الظل والنور أو التشريح وأبعاد النسب وأيضًا متجاوزة للمنظور البؤري والهوائي، فينظر إليها من زاوية الوصف التقريري المباشر، المقروء بصريًا بيسر وسهولة، فجزئيات العمل وإن أتت بطريقة الرص المكثف، إلا أنها مرسومة بدقة تفصيلية من ملابس وملامح وإكسسورات المعركة، أجواء اللوحة فنيًا تحيلنا إلى جمالية فن المنمنمات التي تتقاطع معها في الخصائص التوظيفية والعناصر الإيضاحية، والتي تجمع بين الأمكنة والأزمنة في حيز واحد، دون الاقتران بقوالب المنمنة ونمطها المعماري ذي الخاصية الزخرفية التزينية.
الفنان عباس الموسوي:
أراد أن يقدم كل شيء دفعة واحدة وبصياغة تأليفية مرتبة حسب ذهنيته التخيلية لماهية تسلسل المعركة والمدرجة سلفًا ضمن الذائقة الجمعية، جاعلًا كل عناصره تنطق بحوارات سردية مكثفة بلاغيًا وبصريًا برغم ما يكتنفها من أوجاع وآلام ومسرات، تقاسيم اللوحة تحمل بعدًا تاريخيًا بشقيه الملحمي والديني، دون المحاكاة المغالية للفن الرومانتيكي أو ملامح الأيقونات، وإن أخذ شيئًا طفيفًا من ذلك، خصوصًا الهالات النورانية المحيطة بالرؤوس، ويتجلى العمل الناطق بالمعاني الوجدانية بمشاهد مؤثرة عاطفيًا لسير جوانب من المعركة الخالدة والمقدسة في ضمير الأمة، مستلهمًا الفنان من وحي تاريخ بلاده التليد وتقاليده الفنية المتوارثة، وتكمن جماليات العمل بالرغم التراجيديا الطاغية على أغلب محتوياته بعدم ترك أية مساحة دون فراغ باستغلال التوزيعات المثالية والمتقاطعة استاطيقيًا لحسابات النسبة (الذهبية والهرمية).
إنها مشاهد ملحمية تحمل تكوينات مموسقة من بصمات الفن الفارسي العريق، ممزوجة برؤية الفنان واعتزازه القومي وانتمائه لجذوره الفنية والدينية الضاربة في القدم، كل تكويناتها أشبه بطقس شجي نسمع نياحاته المفزعة أنينًا مسافرًا حيث الواقعة، تنضح بألوان شفيفة وأخرى معتقة آتية من أزمنة غابرة، فكل خطوطها ونفسها التشكيلي وقدمها الزمني بمثابة مخطوط نادر ونفيس، يغري العين بقراءتها لعمقها الفني والدلالي، مما جعلها شامخة كتحفة فنية ثمينة متفردة ضمن مقتنيات متحف (بروكلين) بنيويورك، شاخصة أمام الأبصار تتحاور مع الزائرين كل يوم.




