ابنك شخص آخر

هل الابن خط تكميلي لشخصية والديه فيحق لهما تشكيله بحسب ما يرونه من وجهات نظر؟ أم أنه له شخصيته المستقلة ويقتصر دور الوالدين على التوجيه والإرشاد والمتابعة، فيفسحان المجال له ليكوّن شخصيته المستقلة بحسب ما يراه، مع عدم تخليهم عنه بالتوجيه وتقديم الأفكار والخيارات المتعددة، ويبقى اختيار الرأي الآخير له؟
هناك بعض الآباء والأمهات ممن يحاول صنع نسخة ثانية متكررة من شخصيته، فيعامل طفله بالجبر والأوامر العسكرية والنظام الصارم الذي لا يفسح لوجوده أن يتبلور بشيء من الاختلاف حتى البسيط، إذ يراه في مختلف مراحل نموه وتقدم عمره ما زال بعيدًا عن القدرة على الاعتماد على نفسه وتكوين وجهات نظر صائبة أو اتخاذ قرارات خاصة به، ولذا فعليهما تقديم كل ما بوسعهما من نصائح وتوجيهات.
يرى الوالدان أن تدخلهما في حياة أبنائهم بكل تفاصيلها وأدقها هو دليل اهتمام ورعاية، فإذا لم يحدثاه بما يجب عليه فعله في مدرسته وعلاقاته مع أصدقائه وحتى مع زوجته، فما هو الفرق حينئذ بينهما وبين أبوين مهملين لا يقدمان أي رعاية ومتابعة لأبنائهم تخدمهم كخبرات مستقبلية؟!
فالتدخل السافر في حياة أبنائهم يعدانه كمصد حماية وتحصين تربوي فعّال ينقذهم من الضياع والإخفاق، بل ويواجه الأبوان بكل خشونة وصلابة أي رأي أو توجه منه يخالف ما يمليانه عليه، فغير مقبول عندهما أن يختار تخصصًا معينًا في الدراسة الجامعية أو شريك حياته بما لا يرتضيانه، دون مراعاة لقدراته وميوله مما يسبب له حالة من الاختناق والقهر النفسي، فتوأد طموحاته وتطلعاته المستقبلية بسبب تحكم والديه وتعنتهم وتسييرهم له وكأنه طفل.
الحقيقة الغائبة عن مثل هؤلاء الآباء والأمهات المتسلطين هو أن لكل فرد - ومنهم ابنه وابنته - محددات شخصيته الخاصة من توجهات وقدرات خاصة وميول وتطلعات مستقبلية خاصة به، وأسلوب الجبر والفرض بموضوع معين يضرب استقلاليته وثقته بنفسه ويحطم آماله، وما يستمده الأبناء من خبرات ونصائح ذهبية يمكن تقديمها على بساط النقاش والإقناع وليس الفرض.
والفروق الفردية مفردة مهمة لابد أن تكون حاضرة في أذهان الوالدين في سقف آمالهم ورغباتهم في نجاحه وتألقه، فمن الخطأ إجراء أي مقارنة بينه وبين أحد من إخوانه أو أصدقائه، وتعييره بأنه لا يضاهيه ولا يصل إلى مستواه العالي، وليس معنى ذلك هو القبول بتدني قدراته التعليمية أو الاجتماعية والتسليم بذاك الواقع، بل يتقبلان ذلك ويشجعانه على تحسين أدائه ما أمكن.
تحمل مسؤولية قراراته هو أهم القيم التربوية التي يتلقاها من والديه، والخوف عليه من الوقوع في الخطأ والخطيئة لن يحميه تسيير والديه له، بل ما يقيه الزلل هو الحماية الفكرية والاستقامة السلوكية والأخلاق الرفيعة، وهذا ما يمكنهما المساهمة في تكوين منظومته بالتوجيه والرقابة الذاتية عنده.
والتعلم من أخطائه يعلمه السباحة الماهرة في لجج الحياة وتفرعات دروبه، فليس بمهم أن يخطئ ما دام سيتلقى الوقوف معه والنصح من والديه، فالكبوة تعلم الحذر مستقبلًا من التعثر بالأحجار المترامية، وما يحتاجه الأبناء من آبائهم وأمهاتهم هو الدعم والمساندة والتوجيه لطريقة التفكير في حل مشاكلهم، دون إجبارهم على مسار أو اتجاه معين.



