كيف نحظى بالانتصار؟

قال الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} (فاطر الآية 6).
هل نملك تصورًا واضحًا لما يحمله الشيطان الرجيم لنا من كيدية وخداع وعمل دؤوب لحرفنا عن الحق وغمسنا في وحل الشبهات والشهوات والأهواء، أم أننا أمام هذه الحرب الناعمة الخفية عن بصائرنا، يتسلل لنا بتسويلاته وفخاخه التي نصب شراكها في كل موقف وخطوة نقدم عليها، فلم يترك لنا موطنًا في علاقاتنا وأبعاد حياتنا إلا ويسجل فيه حضورًا قويًا وترصدا دقيقًا، فلا يبان لنا ذلك إلا بعد عض أنامل الندم تغيظًا وحسرة في وقت لا ينفعنا ذلك؟
والتساؤل المهم يتعلق بمقابلتنا للمعركة مع الشيطان وتعاملنا معها باستخفاف ولا مبالاة ولا استعداد، ففي الوقت الذي يترصد فيه لنا في كل زمان ومكان بلا ملل ولا كلل، لا نفكر في وضع خطة مواجهة نبطل فيها شراكه وخداعه ونتخلص من وساوسه.
الحقيقة أن التعرف على المسار الشيطاني وطرائقه المتنوعة لا يعوزه قصور معرفي عند بني آدم، وهذه الكتب السماوية تؤكد على بداية إغوائه لنا منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة، وتذكر لنا نماذج من وسوسته للأمم السابقة فما زال يحدو بهم ويمنيهم الأماني الكاذبة ويزين لهم الفواحش والمنكرات حتى يرتكبوها ويقارفوا إثمها، وما هذه الذكرى والسرد للقصص إلا لأخذ الحيطة والحذر من خطواته التي يهمس بها في آذاننا لارتكاب المحرمات.
الشيطان يكمن لنا في فكرنا ومقاعد أنفسنا ويزين لنا المعصية، فيتخفى خلف شهواتنا وأهوائنا ولا ينكشف لنا المستور إلا بعد فعل المعصية، فبعد الغفلة تظهر شناعة ما ارتكبناه وأجرمناه في حق أنفسنا، ولا يبرح الشيطان ساحتنا صارفًا لنا عن التوبة وإصلاح النفس، فيهون علينا ويحقر ما ارتكبناه من ذنب حتى يبدأ جولة جديدة لنستمرئ ونعتاد السئيات، فلا تحدثنا نفسنا عن الرجوع والإقلاع عنه.
يعبث الشيطان في أنفسنا ويعيث فيها فسادًا ويجول ويصول فلا يرى لخنسه رادًا ولا مانعًا، لمعرفته بنقاط ضعفنا وما يستهوي نفوسنا الجامحة والغافلة، ويعزز نشاطه شدة دهاء ومكر وتلون من جهته، وضعف إرادة وتسويف وغياب المحاسبة والمراقبة من جهتنا، فيهزم أكثرنا من أول جولة أو ما بعدها، ولا نعقد عزمًا قويًا بمخالفة الهوى وتجنب مسببات المنكرات وطرقها التحايلية وموارد الشبهات.
الشيطان الرجيم يتسلل إلى نفوسنا كفيروس ينغرس في خلايا الجسم وسرعان ما ينشط في نشر الأمراض وإضعاف مناعة الجسم، وما لم نعمل على مواجهة الشيطان باليقظة ومراقبة الجوارح فلن نكون من الفائزين المفلحين، كما أن ضعف النفس وارتكاب المعصية لا يعني السقوط في هاوية اليأس من رحمة الله تعالى كما يخطط الشيطان، ولا الاستهتار وإهمال التوبة والندم على فعل ما يسخطه سبحانه، بل نهرع إلى محراب الإنابة والتأمل في سوء حالنا يوم نقدم على الجبار (عز وجل) ونقف بين يدي الحساب الدقيق، نبكي على أنفسنا التي غرها إبليس فجالت في أبواب المعصية، فهل نتحمل لحظة من عذاب نار جهنم التي أعدها سبحانه لغضبه؟



