الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أعواد المسك

هلال الوحيد · القطيف اليومالأحد 28 أكتوبر 2018، 9:19 ص
أعواد المسك

لا تسأل بائعَ الطيبِ كيف يعرف أزكاها ولا بائع الجواهر أغلاها ولا تسأل كيف تعرف الروح من أحبها وهواهَا. نقل ابنُ كثير في كتابه "البداية والنهاية"، الجزء الثامن التالي:

"وأما قبر الحسين (رضي الله عنه) فقد اشتهر عند كثيرٍ من المتأخرين أنه في مشهدٍ علي بمكانٍ من الطف عند نهر كربلاء، فيقال: إن ذلك المشهد مبني على قبره فالله أعلم".
"وقد ذكر ابن جرير وغيره: أن موضع قتله عُفِيَ أثره حتى لم يطلع أحدٌ على تعيينه بخبر".
"وقد كان أبو نعيم، الفضل بن دكين، ينكر على من يزعم أنه يعرف قبرَ الحسين".
"وذكر هشام بن الكلبي: أن الماءَ لما أُجري على قبر الحسين ليمحيْ أثره نضبَ الماءُ بعد أربعينَ يومًا، فجاء أعرابيٌ من بني أسد فجعل يأخذ قبضةً قبضة ويشمها حتى وقعَ على قبرِ الحسين فبكى، وقال: بأبي أنت وأمي، ما كان أطيبك تربتك!
ثم أنشأ يقول:

أرادوا ليخفوا قبره عن عدوهِ * فطيبُ ترابِ القبرِ دلَّ على القبر"

تهدي السماءُ قناديلَ للبشرِ يمشون بها في الظلام ولكن البشر يحطمونَ تلك القناديل فيما تبقى تلك القناديلُ مشعةً من بينِ العتمةِ ولو تحت الأرض! بين الروحِ والجسد روابط فيطيب الجسد متى ما طابت الروح، طيبٌ يعلق بالمحيط وبالتراب يعرفه بائعُ العطر الذي يخفي أجربةَ المسكِ تحت الأرض.

عشقت ليلى الأخيلية، شاعرةٌ عربيةٌ عُرفت بجمالها وقوة شخصيتها وفصاحتها عاصرت صدر الإسلام والعصر الأموي، توبةَ بن الحمير ولما ماتَ كانت عائدةً من سفرٍ وأرادت أن تزور قبره ومعها زوجها الذي كان يمنعها، ولكنها قالت: "والله لا أبرح حتى أسلم على توبة". فلما رأى زوجها إصرارها تركها تفعل ما تشاء. فوقفت أمامَ القبر وقالت: “السلامُ عليك يا توبة”. ثم قالت لقومها ما عرفت له كذبة. فلما سألوها عن ذلك قالت أليس هو القائل:
ولو أن ليلى الأخيـليـةَ سـلمـت
علـيَّ ودونـي تربـةٌ وصـفـائـحُ
لسلمتُ تسليمَ البشاشةِ أو زقـا
إليها صدىً من جانبِ القبر صائحُ
وأُغبـطُ من ليـلى بمـا لا أنـالـهُ
ألا كل ما قرت به العينُ صـالـحُ
فما باله لم يسلم علي كما قال؟! وكانت بجانبِ القبرِ بومة فلما رأت الهودجَ فزعت وطارت في وجهِ الجمل، الذي أدى إلى اضطرابه ورمى ليلى على رأسها وماتت في نفس الوقت ودفنت بجانب قبر توبة.

تَعرف روحُ الحسين (ع) من أحبها وتطير من جانبِ القبر ملائكةٌ فوق رأس كل من قال: "السلام عليك يا حسين". فلسفة الوجود تقضي بقاءَ الوجودِ والخلود لمن أعطى اللهَ أعظم ما وهبه وقال "يا رب خذها هي روحي إن أحببت". أحب الله السيدَ الحسين وأحبَّ روحه التي أحبت من زارها تضمه وتضوعه برائحةِ المسكِ والعنبرِ والصندل يتقادم في كرور الليالي والأيام، مرحى لكم أيها الأرواح!