إِلمَا يرحمه هَلُه ما يرحمهْ الناس!

ملكَ الأسدُ مصائدَ الدنيا وخافتهُ كُلُّ الحيوانات. تعيش الأسودُ في زمرٍ تشبه تجمعاتِ البشر، عددٌ من الذكورِ والإناثِ والصغار يعتنونَ ببعضهم وفي نهايةِ المطافِ يغادرُ الذكورُ الشباب لتأسيسِ مجموعةٍ خاصة بهم. تصطاد الأسودُ الحيواناتِ الأخرى ولا يفترسها أي حيوانٍ آخر إلا فيما ندر. تصطاد مجموعةُ الإناثِ في الغالبِ الطرائدَ ويتقدم الذكرُ في الأكل دونها. تأكل الأسودُ وتبقى الحيواناتُ الأخرى والطيور تنتظر ما يتركه الأسد من باقي الصيدِ، تأكله وهي تخشى وتترقب الأسود.
تندر الطرائد في بعضِ الفصولِ فتضطر الأسودُ إلى الجرأةِ والذكاء في الصيدِ وحينما تفقد الخوفَ يقوى غريمها ويصيبها بجروح. متى ما أصابها جرحٌ لا تستطيع الصيدَ ولا يعطيها من كانت تصطاد من أجله وتقدمهُ في الطعامِ العونَ ويقتلها جرحها. تضعف اللبؤةُ وتهزل وترحل الزمرة دونها قائلة:
فَدَع عَنكَ نَهباً صيحَ في حَجَراتِهِ
وَلَكِن حَديثًا ما حَديثُ الرَواحِـلِ
كـأَنَّ دِثـارًا حَـلَّـقَـت بِـلَبـونِـهِ
عُقابُ تَنوفى لا عُقابُ القَواعِلِ
وتبقى الرخمُ والنسورُ والثعالب تنتظر متى تستطيع أن تصطادَ وتأكلَ من كان يأكلها حتى إذا ما ماتت اللبؤةُ اجتمعت وتجرأت عليها وأكلتها.
سما التاريخُ محمدَ بن عمير "المقنع الكندي" لأنَّه كان أجملَ وأحسنَ النَّاس وجهًا وأمدَّهم قامةً وأكملهم خلقًا، وكان إذا سفر اللثامَ عن وجهه أصابتهُ العينُ ويمرض ويلحقه عَنَت؛ فصارَ لا يمشي إلا مقنعًا ساترًا وجهه مُتَلثمًا خوفًا من العين، وقيل أيضًا لأنه فارسٌ مغطى بالسلاح. جاد المقنعُ الكندي في عطاياه وسمح بماله حتى أتلفَ كل ما خلفه أبوهُ من مالٍ، فاستعلاه بنو عمه، عمرو بن أبي شمر، بأموالهم وجاههم ولم يزوجوه أختهم لفقرهِ ودَينه فقال فيهم قصيدةً جاء فيها:
يُعاتِبُني في الدَينِ قَومي وَإِنَّما
دُيونيَ في أَشياءَ تُكسِبُهُم حَمدا
أَلَم يَرَ قَومي كَيفَ أوسِرَ مَــرَّة
وَأُعسِرُ حَتّى تَبلُغَ العُسرَةُ الجَهدا
فَما زادَني الإِقتارُ مِنهُم تَقَرُّبـــاً
وَلا زادَني فَضلُ الغِنى مِنهُم بُعدا
أسُدُّ بِهِ ما قَد أَخَلّوا وَضَيَّعــــوا
ثُغورَ حُقوقٍ ما أَطاقوا لَها سَدّا
وَفي جَفنَةٍ ما يُغلَق البابُ دونهـا
مُكـلَّلةٍ لَحمـاً مُدَفـِّقـةٍ ثــَردا
وَفي فَرَسٍ نَهدٍ عَتـيقٍ جـَعَـلـتـُهُ
حِجابًا لِبَيتي ثُمَّ أَخدَمتُه عَـبـدا
وَإِن الَّذي بَيني وَبَين بَني أَبـــي
وَبَينَ بَني عَمّي لَمُختَلِفُ جــِدّا
أَراهُم إِلى نَصري بِطاءً وَإِن هـُم
دَعَوني إِلى نَصرٍ أَتيتُهُم شــَدّا
فَإِن يَأكُلوا لَحمي وَفَرتُ لحومَهُم
وَإِن يَهدِموا مَجدي بنيتُ لَهُم مَجدا
وَإِن ضَيَّعوا غيبي حَفظتُ غيوبَهُـم
وَإِن هُم هَوَوا غَييِّ هَوَيتُ لَهُم رُشدا
وَلَيسوا إِلى نَصري سِراعاً وَإِن هُمُ
دَعوني إِلى نَصيرٍ أَتَيتُهُم شـَدّا
في الناسِ من هو أقرب إلى الزمرةِ التي ترحل عن الأسدِ الجريح وأقرب إلى بني عم المقنعِ الكندي وفيهم من يعينك كي تبني لك مجدًا وشرفًا ومروءةً وسؤددًا.. عندما نسيرُ في أزقةِ الحياةِ الضيقة تكشف لنا عنهم وتكشف لهم عنا من الأقربينَ كانوا أو الأبعدين وفي الأزقة يبقى قول النبي (ص): "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".



