الوعي الطبي مفهوم لتحقيق الصحة المستدامة والرفاهية في المجتمع

حتفل العالم في الثالث من نوفمبر كل عام باليوم العالمي للصحة الواحدة، والمعتمد من قبل ثلاث منظمات دولية رائدة في مجال الصحة العامة منذ عام 2016. هذا اليوم يعد إحدى المبادرات المدرجة ضمن خطة اللجنة المعتمدة للصحة الواحدة بهدف تعزيز الصحة العامة على مستوى العالم.
الصحة الواحدة هي مبادرة عالمية ترتكز على التعاون المشترك والتواصل بجميع أشكاله بين مجموعة كبيرة من الاختصاصيين في مجال الصحة، وكذلك المهتمين بصحة الحيوان وما يتعلق بشؤون حماية البيئة بمختلف المنظمات الحكومية الخدمية والأكاديمية والخاصة.
المبادرة تهدف بالدرجة الأولى إلى وضع الخطط الإستراتيجية لمستقبل الشراكة الصحية لإيجاد حلول مثالية للمشاكل الصحية المعقدة التي تخص الإنسان، الحيوان والبيئة. كما تسهم في تكوين علاقات تعاونية متساوية وشاملة لشتى المجالات البحثية والعلوم التطبيقية بين الاختصاصات الصحية البشرية والحيوانية، وصحة البيئة والحياة البرية (الفطرية)، والكثير من المجالات ذات الصلة بالصحة العامة لتكون جميعها تحت مظلة الصحة الواحدة لدفع المخاطر وتحقيق الرفاهية الصحية للمجتمع.
العالم بحاجة ملحة لاتباع ثقافة النهج الصحي المشترك (الصحة الواحدة)، والذي يتيح للجهات المعنية الحراك خارج النهج التقليدي، المعتمد في أغلب القطاعات الصحية حالياً، والعمل كفريق مشترك من عدة جهات حكومية لتدليل العقبات والتحديات الصحية التي أصبحت تشكل تهديدا وخطرا كبيرا على المجتمع.
على المستوى المحلي، هناك الكثير من المبادرات الناجحة بين القطاعات الحكومية والخاصة، ومنها التعاون المثمر بين وزارتي الصحة والبيئة والمياه والزراعة للتصدي لمشكلة مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية، ومكافحة الأمراض المعدية المشتركة بين الإنسان والحيوان، والأمراض المستوطنة والمستجدة في المجتمع. والتعاون البحثي بين مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ووزارتي الصحة والبيئة والمياه والزراعة للعمل على الأبحاث المشتركة المتعلقة بفيروس كرونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية وتبادل الخبرات والاستفادة من قدرات الجهات المشاركة. ثم يأتي دور التعاون المشترك بين القطاعات الحكومية والأكاديمية في إقامة ورش العمل التدريبية، والمحاضرات والمعارض لتدريب الكوادر البشري في مجالات شتى ونشر الوعي في المجتمع لتعزيز الصحة العامة والوقاية من الأمراض والسيطرة عليها. والعديد من المبادرات الأخرى المثمرة التي لم تر النور بعد.
ولكن الثقافات والممارسات غير الصحية المتبعة من بعض أفراد المجتمع ما زالت عائقا أمام الجهود المبذولة من الجهات الحكومية ذات العلاقة لتحقيق الأمن الصحي والغذائي. على سبيل المثال، من السلوكيات الخاطئة، الإفراط في استخدام المضادات الحيوية في المجالات البشرية والبيطرية بدون وصفة طبيب، مما يسهم في تقليص فعاليتها في القضاء على المكروبات الممرضة. أيضا، عدم مراعاة بعض مربي حيوانات المزرعة بفترات التحريم الخاصة بالمضادات الحيوية، بالإضافة لاستخدام المبيدات في المجال الزراعي دون مراعاة النسب المسموح بها محليا ودوليا، لتكون آمنة ولا تشكل خطرا على صحة المستهلك. واستخدام الهرمونات الممنوعة محليا لتحفيز النمو، سواء في حيوانات المزرعة المخصصة لإنتاج اللحوم أو في إنتاج الخضار، التي يسعى أصحابها إلى كسب المال السريع دون مراعاة الآثار الجانبية المترتبة على صحة المستهلك من تلك المخالفات. وهناك الكثير من السلوكيات الفردية والممارسات التي لا يدرك أصحابها حجم الخطر والأثر السلبي على الصحة العامة من تلك التصرفات.
مستوى الوعي الصحي والثقافي للمجتمع يلعب دورا أساسا في تعزيز صحة الإنسان والحيوان والبيئة، كل ما كان المجتمع واعيا كل ما قلّت المشكلات الصحية، ولكن التحديات كثيرة في الوقت الحالي وتشمل مقاومة الميكروبات للمضادات، وتغير المناخ، والتلوث البيئي، وسلامة التربة للنبات وصحة المياه الجوفية، وسلامة الغذاء، وكذلك الأمراض حيوانية المنشأ والأمراض المنقولة بالغذاء التي تحتاج إلى تعاون على مستوى الفرد والمجتمع والحكومات. لذلك استقطاب مفهوم الصحة الواحدة وتفعيله في السعودية بشكل رسمي على مستوى القطاعات الحكومية ذات العلاقة هو تحقيق لرؤية المملكة 2030 أولا، وتعزيز للصحة العامة، وفتح آفاق جديدة بين مختلف قطاعات العناية بصحة الإنسان والحيوان والبيئة للأبحاث والدراسات المشتركة. وأخيرا سيعمل هذا المفهوم على تحسين مستوى العناية الصحية المقدمة للفرد والمجتمع في هذا الوطن الغالي.
حسن العلق - صحيفة الوطن



