نقطة

ذهب صبيٌّ مع والدهِ إلى بحيرةٍ في صباحِ يومٍ كان فيه الماءُ ساكنًا لا يحركه الهواء. التقط الصبيٌّ حجرًا ورماه، تحركَ الماءُ في دائرةٍ بعيدًا عن مكانِ سقوطِ الحجر، افتتنَ الشابُ بمنظر ما يُحدثه الحجرُ من دوائرِ الأمواج. في كل ما يحدث هناك حكيمٌ وهناك من يملك أكثرَ من الحكمة، رمى الأبُ حجرًا أكبر، أحدثَ صوتًا أقوى وموجةً دائريةً طافت في قطرٍ أوسع.
تساءلَ الصبيُّ: كيف حجركَ رسمَ دائرةً أكبرَ من حجري؟ ينفتح عقلُ الإنسانِ في كُلِّ شيءٍ يفعله، فقال الأبُ: في الدنيا وحيث نقف هناك نقطة هي "نحن"، وفي الكونِ لسنا أكبرَ من ذرة. يرمي قدرُ الله النقطةَ وتحرك حولها دوائرَ من الاهتمامِ والفعالياتِ تشبه دوائرَ الماءِ الراكدِ التي حركها حجركَ أيها الصبي! وعندما تكون طاقة الرامي وقوته أكبر تكون دائرةُ الانفعالِ في الكونِ أكبر.
يحرك قليلٌ من البشرِ دوائرَ أكبرَ من الأفعال، والباقي يكتب التاريخُ على شواهدِ قبورهم "كان نقطة". ما يجب أن ننتزعهُ في الحياةِ من نتائجَ ليس فقط شعاع الدائرةِ، لكن كَمُّ الماءِ الذي انزاحَ في شعاعِ حياتنا. من كتبَ القدرُ على قبرهِ نقطة، ليس بالضرورةِ أقلَّ قيمةً ممن كتبَ القدرُ على شاهدِ قبرهِ "دائرة كبيرة" فربما كانت النقطة أقوى.
تبدأ نقطتنا في الكونِ من ضميرِ المتكلم "نَحْنُ"، فليس أهمَّ من أنفسنا في كل ما نقوم به، إذ أنَ من صفاتنا البشر العاديين الأنانيةَ التي تبقينا أحياءَ وتسقي غرورنا لنبني آراءً إيجابيةً من ذاتنا. تتسع دائرتنا في محيطنا الصغير وتكبر في مجتمعنا وعندما تكبر الهمةُ ويبتسم القدرُ تكبر الدائرةُ في العالمِ الأوسع. لو بقينا أحياءَ كما نشاء ربما عملنا ما نشاء، لكننا نحصلُ في الغالبِ على رقمينِ من سنينِ العمرِ وعلينا أن نختارَ بين نقطةٍ صلبةٍ من "نحن، وهم" أو دائرةٍ واهيةٍ بين "نحن، والعالم".
نحنُ النقاط لنا أن نبتهجَ ولا نحزن عندما نموت ولا يُكتب على قبورنا سوى "نقطة". نحنُ في الهندسةِ الرياضية كائنٌ رياضي عديم الأبعاد والمساحة والحجم لكننا نمثلُ مفهومًا أساسيًا في الهندسة الرياضية والفيزياء ومركزَ الإشعاعاتِ بكل أبعادها. نحن نملك حيزًا في الفراغِ لكن لا نُشغل الناسَ والكونَ بأحجامنَا ومساحتنَا وأبعادنَا، أليست كل الدنيا والكائنات مجاميعَ من النقاط؟ نحن النقاط، منا السيول،ُ ومنا المطر، لو اجتمعنا أزحنا كل شيءٍ أقلَّ من القَدَر:
دواؤكَ فيـكَ وما تـُبصـِـرُ
وداؤكَ منـــكَ وما تشــعرُ
وتـَحسب أنكَ جِرمٌ صغيـر
وفيكَ انطوى العالمُ الأكبـرُ



