أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ماشي في الغُبَّة مقاييس

هلال الوحيد · القطيف اليومالإثنين 19 نوفمبر 2018، 8:48 ص
ماشي في الغُبَّة مقاييس

كان والدي صيادًا يطلبُ الرزقَ في البحر الذي لم يكن منتظمًا في موعده أو في كم يُعطي. أنهكهُ البحر إذْ كان عليه أن يغير وقته كلما طلب البحرُ منه تغييرَ الموعد وإن لم يغير موعده مات فيه.

كلماتٌ أسمعها عندما كان يلتمس الراحةَ مع رفقاءِ المهنة هي: سقي وقراح والغبة وسايبة. مفرداتٌ تعني الخطورةَ والفرصةَ والتخطيطَ في أبسط صورها. عندما تكون "الماية" قراح تكون الفرصة لدخولِ الماء وتعني أن بعدها يدخل المدُّ فعليه اغتنام الفرصةِ بين الحالتين. كما أن بعد "الماية سقي" فرصةُ انحسار الماء وانكساره، بعدها يقول البحرُ للصياد تعالَ وخذ ما في أحشائي.

يتكشف التخطيطُ في عُمقِ الماء "الغبة"، فعلى والدي أن يحسب الخطر قبل الدخول لأنه متى ما أخطأ القياسَ سوف يجرفه الموجُ ويموت. حساباتٌ لا يستطيع تقديرها إلا وهو في المياه الضحلة ومتى ما كان في الغبة، إما الموت أو الحياة.

كان والدي بحارًا بسيطًا يستخدم وسائطَ الزمنِ السابق، ونحن كلنا بحارةٌ في الحياة انكشفنا على المخاطرِ التي جاءت في محيطِ دائرتنا ويستدعي التخطيطٌ لها ورقةً وقلمًا وعصرَ الذِهن وإعدادَ المخارج. بحارُ اليومِ عليه أن يصحو باكراً ويفكر كيف يتعلم وكيف يحصل على عملٍ، وكيف يجمع المالَ، وكيف يبني، وكيف يجد حُبًَّا، وكيف يعتني بمن يأتيهِ من خلفاء. وُلد أبو العلاء المعري في معرةِ النعمان ومنها استمد اسمه، ومنهُ استمدت شهرتها. أُصيب أبو العلاء بالجدري، وهو في الرابعة من عمره ولم يستطع والداه أن يُنقذاه وبسبب هذا المرض أُصيب بالعمى وكُفَّ بصره. عاش المعري بعد خيارِ العزلةِ الذي اختاره زاهدًا في الدنيا معرضًا عن لذاتها، ولم يتزوج ولم ينجب أولادًا، حيث كان يعتبر أن الإنسانَ يجني على من ينجبهُ من الأولادِ والبنات. وهذا ما جعله يكتب على شاهدةِ قبره:
هذا جناهُ أبي عليَّ وما جنيتُ على أحد

انتهى عصرُ حمى الجدري الذي يفقد بسببهِ الصغارُ أبصارهم وحل جدري الجهلِ الذي يسرقُ من الصغارَ مستقبلهم في الحصولِ على ما يرسمونهُ من أحلامٍ في الصفوف الأولى من الدراسة. يتصالح الإنسانُ مع نفسه عندما يجمع الأدواتِ ويرسم الخطةَ لكن تجري الرياح عكس ما يشتهيه في البحر، يقول: هو قَدَري، ولكن لا تعذره الأيام إن لم تكن له خارطة لسيرهِ في أزقةِ الحياةِ الضيقة التي لا يستطيع أن يعرف ملامحها قبل السير فيها.

لو تكلم الزمانُ لحكى أسرارَ الماضين وكيف عاش أبي وآباؤكم في خططهم البسيطة وسوف يحكي الزمانُ كيف تغير البحارةُ والبحر فلا بد من أدواتٍ أكثرَ احترافيةً وأدقَّ في حساب المخاطر وأكبر فيما تجني من أرباح. يأتي يومٌ تنطلق فيه حناجر البحارة "هو يا مال هو ما مال هو يا مال، وش لك بالبحر وأهواله ورزق الله على السِيف"، عندها نرمي كلنا المراسي ونطوي الأشرعةَ ونرتاح، لكن حتى يأتي ذلكَ اليوم، قايس وعادك في النَفَس ماشي في الغُبَّة مقاييس.