جدباء المسافات

لحظة الشعور، الإدراك العقلي، العاطفي، استقراء الذكريات الحبلى، بداية طريق ناحية الضفة الأخرى من النبض.
الفنان ينظر للأشياء من حوله، متأملًا، يتحسسها بذاتية لا تبصرها اللحظات حينها، توأم رغوتها، تراكيبها اللفظية، امتزاج المسافات العشبية الظل. الابتسامة، مراياها اصطفاء الصفاء، لزوجة بياض الحدقتين، سوادهما، تكتنفها نقطة تحول ما، نظير التجارب، العلاقات، الانعكاسات الأفقية والطولية، تدحرج المصالح الشخصية. هطل الغيم، اختفى ظلك، قطرات المطر في الشرفة الأخرى، ليس ثمة ضوء.
لا تخدعك الحياة، حدق جيدًا، كن واعيًا، لا تكن ساذجًا، بهذه الكلمات، همس أحدهم في أذني، لأسترجع شريط الذكريات، أحاول ضرب الكلمات ببعضها البعض، عطفًا على المواقف بعضها ببعض، أزيح غيبوبة اللحظة عن كتفيَّ، غشاوة الآنية، اتخذت زاوية موحشة الدفء، صقيع الشتاء. تفعيل عنصر الدراسة الذاتية، مطلب ارتقاء ذاتي، يمنحنا، عدم الوقوع في ازدواجية العقل والعاطفة، كي لا تكون حياتنا مرتعًا للجراحات. وعليه، فإنه على صفحات التراب الاجتماعي، الكثير من رواد المصالح الشخصية، الذين يغلبون مصالحهم على كل شيء، لدرجة، أنها تدغدغ مشاعرهم، تشعرهم بشخصيتهم المترهلة، التي تستبدل الملامح في كل دقائقها، كأنما ما بين ملامحهم وذواتهم، ينبوع مختلف أنهاره.
إن اقتناص الحكمة من الذكريات، التجارب السابقة، قراءة الآخرين، كلماتهم، مواقفهم، تأملاتهم، يمثل زادًا، يحمله الإنسان في حياته، ليعرف التربة الخصباء، التي يزرع فيها بذور علاقاته. كان، يسمعه الإطراء باستمرار، فجأة أصبح بلا "ال التعريف". وبعد سماعه، أجبته: احذر من أي علاقة اجتماعية، تجدك محطة، تتزود منك في حالة ضعفها وحزنها، وتنهش جسدك، حين امتلاء كأس مصالحها وأهوائها النفسية. جدباء المسافات، يا صديقي، لقد كان همسك في أذنيَّ، ولكن لا أخفي عليك، هي لم تكن أذنيَّ، التي رشفته -همسك-.



