الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ورقة من مذكراتي «مذاق فينا»

زهراء البناي · القطيف اليومالسبت 1 ديسمبر 2018، 7:33 ص
ورقة من مذكراتي «مذاق فينا»

هنا عطر الزهور، الساعة قاربت الثالثة من مساء الخميس 13 سبتمبر 2005م، أقف عند بوابة خضراء إنها حديقة "Volks Garden"، حديقة الزهور المشهورة بفيينا، أول رسالة، تستقبل روادها زهرة خلابة المنظر، تفوح عطر النهار المُشرق، هي رسالة رقيقة الدفء، لا يدركها إلا الشعراء، لغة، لم تكن فقط الزهور، التي تتحدث هنا..، إنما كل كل قطرة ماء، تأتي رسائل يقرأها الفنانون والشعراء، يترجمون وينظمون، يرسمون والعلم الحديث يصف الشعراء بأنهم أعقل الناس وأكثرهم إحساسًا بالناس، الأشياء حولهم من نباتات وحيوانات..، كان الفيلسوف الإغريقي أرسطو، يقول: إن الزهور لها روح، هذه الروح، تنظم حياة البذرة حتى تصبح زهرة، ثم ثمرة، ثم شجرة رائعة، تنبض بالحياة وتنعش بها أرجاء الطبيعة.

نعم أنا هنا..، وهذا الذي أراه شعرًا، أن يقف رجل عند بوابة الحديقة الغناء شرفتها، يعطي كل زائر زهرة حمراء -لونها- هي أجمل وأرق رسالة بأرقاها لغة جمالية، تسافر بين الشعوب، طريقة مؤدبة، حنونة، لإخراج كل من تسول له نفسه بقطعها - الزهرة.

أنا الآن بين أشجار الصنوبر بألوانها الزاهية، تنافسها أشجار الأرز والبلوط حيث إطلالتها ساحرة، الآن، أنا فراشة، تحلق حول الأزهار، وتنثر قبلات الولاء والإيمان بكل هذه الاّيات؛ لوحة فنية بتفاصيل عجيبة، تتخللها نوافير مزينة، تماثيل ومنحوتات رائعة، تشقُها بحيرات وبرك مائية أشبه بالقصص الخيالية، وحولها البط البري والأوز والطيور والأسماك الملونة، آه لهذه اللوحة الحية، حياة ذات النسائم العذبة، منظر حقًا يستحق أن أخلده بفرشاتي وألوان، كعاشقة الريشة، والألوان.

نعم، بينما أنا أسبح عبر أرجاء سيمفونية، تعزف أجملها ألحان، نغم الطبيعهة العذب، فإذا بسيدتين، تقدم بهما السن وأعوام علاقة صداقة صقلتها الأيام، وبابتسامه تودع تحية رقيقة، اقتربتا مني فاستأذنتني إحداهما حيث كانت تتحدث الإنجليزية بطلاقة أن ألتقط لهما صورة تذكارية معًا بجوار النافورة، وكانت التقاطة قريبة، تنطق بعمق سعادتهما معًا، أعجبتهما الصورة كثيرًا، وبكل ود سألتني التقاط صورة أخرى بين الأزهار، استرسلنا الحديث مع بعضنا، وعبرت لها عن مدى سعادتي وإعجابي بهذا المكان بين هذا الكم من الزهور متعددة الأشكال والألوان، فأخبرتني أنها وصديقتها ألمانيتا الجنسية والولادة، وأنها زارت الحديقة قبل سنوات عديدة، وهذه زيارتها الثانية لها، وتابعت الحديث بأنها كانت معيدة في الجامعة، تخصص نبات، استرسلت أكثر في الحديث عن أنواع الزهور وكأنها لامست شغفي بحب الزهور، لأوضح بإسهاب أنواع الزهور وأسماءها المختلفة ودورة حياة بعضها العجيبة، تنقلنا من زهرة النرجس إلى الديزي والأستر والزنبق، والأقحوان والأوركيد، نقلتني بقوة إلى عالم الورد وما يميز أوراق الصنوبر والأرز، اقتربنا من مقهى جميل في الحديقة، مزين بالزهور، فدعوتهما لمشاركتي القهوة تعبيرًا عن امتناني لحديثها الشيَق والممتع، ولكرمها بفيض كل هذه المعلومات التي تستوعب مجلدًًا عن عالم الزهور والنباتات، عندما قاربنا أن نفترق، سألتني من أين أنت أيتها العزيزة، وبابتسامة حارة جاوبتها بأنني سعودية، وبكل ود جذبت ذراعي، وربتت على يدي بقوة وبين أحضان أم حنون أخذتني في حضنها، أيتها العزيزة نسمع الكثير عن معاناة المرأة في بلادكم، وبكل امتنان للطفها، أخبرتها أن المرأة السعودية تعلمت فن تخطي العراقيل، والسعي حثيثًا بزيادة تحصيلها العلمي والثقافي والفني، دعتني لزيارتها في بلدتها، القريبة من حدود النمسا، وأخذت بريدي الإلكتروني، لنبقى على تواصل، شكرت لها الصدفة الجميلة، التي عرفتني بأم حنون مثلها.

تابعت حديثها عن فتنتها بهذه الحديقة منذ أول زيارة لها منذ أعوام، لتعرب أنها من أجمل الحدائق، لما لها من تاريخ عريق، بكونها معشوقة من طرف الأرستقراطين والطبقة البرجوازية النمساوية لجمالها الرائع الذي يأسر الألباب بقضاء العطلات، وإقامة الحفلات، منحتها ابتسامة حب لها، نعم هناك أحببتها.

أغنية عربية شهيرة، لمطربة مصرية قديمة زارت الحديقة، ويبدو أنها أسرتها، لتطلق أغنيتها المشهورة "ليالي الأنس بفيينا"، حيث تعثرت الترجمة، الآن أضحك مداعبة لها، إنها حديقة فعلاً تأسر العقول، نصحتني بزيارة قصر هوفورغ، حيث الحديقة تقع في قلب هذ القصر، ووعدتها بزيارة في سبتمبر المقبل، إن سنحت الفرصة، افترقنا، تنفست بعمق، إنها لحظة الخلوة مع فرشاتي وألواني، وتخليد المكان بين أوراقي.

نعم، هذه السيدة غمرتني بطاقة وحماس، أشعر الآن بأني أكثر قربا، الانتماء لهذا المكان، لدي معلومات كافية عن كل زهرة. استرقت نظرة إلى السماء، تنفست الصعداء، شكرًا لك يا رب، إبداعك أسر القلوب وأضفى على جوانحي طمأنينة ودفءًا.

في هذه اللحظة، شرعت الأماني أبوابها عشقًا بل ذوبانًا في ملكوتك..، ليتني كنت زهرة بين الزهور، فلا أفارق المكان، طوعًا لتسبيحك ليلًا ونهارًا..، ليتني كنت ورقة بين الأوراق، فأنسج الدنيا بندائك..، آه، ليتني كنت سمكة بين الأسماك، أسبح في مياه إبداعك..، هي روحي تطير في فضاء ملكوتك، تلتمس هذه اللحظة، لتذوب في ملكوتك..، علمني يا معلمي كيف أكون كهذه الجماليات التي أبدعتها، علمني يا معلمي كيف أكون قريبةً كقرب هذه النباتات لا تنفك برهة عن تسبيحك.

فتحت كراستي، نثرت ألواني على العشب الأخضر، بدأت بتوزيع الخطوط على أوراقي بشغف، ماذا أرسم، الزهور، أم الفاكهة بألوان الحياة الخالدة، بابتسامة رضا، وعيني على السماء، آه، ما أروع هذا المكان، ما أروع أن أستنشق هواء حبك هنا.