أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الله ما فعلت بك الأيامُ!

هلال الوحيد · القطيف اليومالسبت 8 ديسمبر 2018، 4:27 م
الله ما فعلت بك الأيامُ!

سألتُ صاحبي الذي جمعَ من المالِ ما لم أستطع جمعه في كُلِّ حياتي، ولكن جسمه بقي في رشاقةِ المها العربية، كيف جمع المالَ ولم يجمع الوزن؟ قال صاحبي: أتذكر يومَ كنا في الصفوفِ الأولى في كليةِ الهندسة وتعلمنا مبدأ توازنِ الكتلة؟ قلتُ نعم يا صاح، لم تكن النظريةُ صعبةً ولكن تطبيقها ليس سهلًا. المقولةُ العامةُ عن توازنِ الكتلة هي: الكتلة الداخلة = الكتلة الخارجة + الكتلة المتبقية

قلت له: وما دخل هذه النظريةِ الفيزيائية بالمالِ والجسم؟ قال: اللهُ ما فعلت بك الأيامُ! لم تعد نابغةً كما كنتَ في صفوفِ الدراسة وفاتك المالُ والرشاقة. لا بد أن أجسامنا تشبه الصناديقَ التي نَخزن فيها الأشياءَ ونخرجها منها عندَ الحاجة، فلو تعادلَ ما نأكل مع ما تحتاجه أجسامنا من طاقة واستهلكنا كل ما نأكل، عندئذٍ لن يزيدَ وزننا عما نحب أن نكون عليه. وعندما يقول شخص:ٌ أنا لا آكل الكثيرَ ويزداد وزني لا يكون صحيحًا فهو يأكلُ أكثرَ مما يحتاج لتكونَ الكتلةَ الباقية تساوي الصفر.

وماذا عن المال الذي ركبني من ديونه الكثير؟ قال: أنا عندما يحضر الدرهم عندي أقول له مرحبًا بك، أين كنتَ ولم تأخرتَ في القدوم؟ أبحث له عن مكانٍ تطيب فيه إقامته. وحين يقترض الناسُ المالَ هم يحيلونَ الكتلةَ المتبقيةَ عندهم لرقمٍ سالب مما يتطلب منهم أن يزيدوا الدراهمَ التي تزورهم أو ينقصوا الدراهمَ التي تترك صناديقهم.

قلت: في زمننا هناك نظريتان مستجدتان، لا بد أن يعرفهمَا الرجال الذين انحدروا من قمةِ العمر مثلي، وهما فترة التضخم وفترة الركود والانحسار، التي في الأولى لا يتضخم فيها جيبك بل يتضخم فيها كرشك من الأكلِ وفي الثانية ينحسر فيها كل شيء ومنها شعر رأسك. أطاحت المدنيةُ الحديثة بكل مبادئِ الصحةِ وقوانين الفيزياء التي عرفها البشر، لم تتضخم العقول ولكن تضخمت البطون وكان من الأجدى ألاَّ يخافَ الناسُ على أطفالهم من الجوعِ بل يخافون عليهم من الشبع. الجوع مثل المبرد الذي يصقل الهمم، والشبعُ يحيل البشر مثل الشجرةِ التي ترى السمادَ قرب جذورها فتقول: لمَ أمد جذوري بعيدًا في الأرضِ والغذاء قريب؟ عندها يضعف عودها وتموت!

تطلع السنةُ الجديدة بعد أيامٍ وربما جربنا قانونَ توازنِ الكتلةِ في المالِ والصحةِ والفكر حتى لا يختلَّ أحدهم. وإذا ما اختل المالُ سوف يعود في كرَّةٍ أخرى، ولكن تأكد أن الصحةَ لا تعود وإن عادت فليست هي، إنما صحةٌ تشبهها. وإذا اختلت كتلةُ الفكرِ لا يغنى المال ولا تنفع العافية. إن جددت فيك كلماتي في مطلعِ السنة، في الشتاءِ والربيعِ حبَّ الحياةِ وأن تنضو عن جسدكَ الثَّوْبَ القديم فاقرأها، وإلا ضعها تحتَ قدميكَ وقل لي ألاَّ أكتبَ لك مرةً أخرى فلن أعود، لا خيرَ فيما نكتبُ أو نقرأ إن لم يبعثَ في أرواحنا الجديد.

لمَ أنتَ جالس؟
هشّت لك الدّنيا فما لك واجماً؟
وتبسّمت فعلام لا تتبسّمُ
إن كنتَ مكتئبًا لعزّ قد مضى
هيهات يرجعه إليك تندّمُ
أو كنت تشفق من حلول مصيبةٍ
هيهاتَ يمنع أن تحلّ تجهّمُ
أو كنت جاوزتَ الشّباب فلا تقل
شاخَ الزّمانُ فإنّه لا يهرمُ
أنظر فما زالت تطلّ من الثّرى
صورٌ تكاد لحسنها تتكلّمُ