ثقافة قلم وخواطر شجن 2-6

هبت نسائم صبح عليلة مع بداية آخر شهر من السنة الميلادية، براءات الطفولة تنشد السلام على إيقاع الإذاعة المدرسية، جموع وديعة تسلك درب العلم حثيثًا لفصول الدرس، رنين دقات الجرس تعلن دخول الحصة الأولى، عندئذٍ أقبل زميل المدرسة نحوي بابتسامة وابتهاج ومصافحة دافئة، يده في يدي ونحن نمشي الهوينى صعودًا على عتبات الدرج، أخذني نبضًا وبحلو الكلام (أود أن أذكر لك كاتبًا لفت نظري مؤخرًا، يكتب باستمرار، كل ما بين يومين ينشر له مقال وراء مقال، مواضيعه جدًا غنية وثرية، تشعرك بمتعة القراءة، قلمه واعٍ وأسلوبه جاذب، يطعم كتاباته بمزيد من الأشعار، مقالاته جدًا رائعة وعباراته راقية، لكن الشيء الذي لم يكن يعجبني خصوصًا في مقالاته السابقة هو إصراره على وضع كلمة الرب بدلًا من كلمة الله، ودائمًا يحشرها ويكررها زيادة عن اللزوم، وحسن فعل حين تخلى عن هذه المفردة، وأتمنى ألا يعود إليها، قلمه أنبأنا أن لديه سعة أفق بربط التاريخ بدروس الماضي مع لفيف الذكريات ويسقطهما على الحاضر بتوليفة باهرة.
سطوره تأتيك بفائدة وتعطيك محبة وتؤنسك مودة، وتغذيك بروح تفاؤلية متوجة بعبرة وحكمة، رددت عليه بقهقهة خفيفة أثناء كلامه، وقبلة إعجاب بعد أن انتهى، رائع ما تقول، أغبط إحساسك الجميل، الذي دلني من هو المقصود إنه قلم (هلال الوحيد) قال: (نعم)، ربتُّ على كتفه وانصرفنا لفصولنا، مؤجلًا الرد فيما بعد، تقابلنا في حصة فراغ وتجاذبنا أطراف الحديث، واستكملناه عبر (الواتس)، تشعبات أخذتنا لأكثر من قلم، جدل واسع وممتع، تقاطعنا كثيرًا وتماهينا أكثر، وقليلًا ما اختلفنا، حوارات دارت واستدارت بزاد معرفي استجمعتها وأعدت صياغتهما من جديد.
وبتقدير لذائقة زميلي التنويرية حول أقلامنا المحلية همست له بمحبة بالغة: يا عزيزي وأنت سيد العارفين إذا أعجبك كاتب ما، لا تقف عند كلمة معينة أو عبارة لا تروق لك، أو حتى مقالة برمتها قد لا توافق توجهك أو فكرك وربما لم تقتنع بها مطلقًا، اقرأ الكاتب من جميع زواياه، وتتبع نفس الكتابي في أكثر من مقالة، واستمتع بما تقرأ بالإبحار مع تراكيبه اللفظية، وصيغه التعبيرية، وجمله الوصفية، وتأمل بإمعان ما يسطره من رؤى وأفكار عن الحياة والناس، وبالمقابل انظر للأقلام الأخرى التي لم تعجبك برؤية محايدة، فلربما تجد شيئًا مبثوثًا بين السطور، حتى الذين تعتقد أن كتاباتهم عادية، اقرأ لهم قد تعثر على جملة رائعة مركونة بين الجمل، أحيانًا بساطة العبارة ووضوحها بلا تكلف وبعيدًا عن التعقيد تلامس القلب وتصل العقل دون استئذان، ومن لا تشدك اليوم طريقة كتابته، قد يأسرك غدًا، فتأكد أن الفعل الكتابي هو تراكم خبرات حياتية ومكابدات مهنية وممارسة دؤوبة، ولا تنس أن الكتابة أنواع وأشكال، وأساليب متنوعة، وكل كاتب يبحر بالقلم الذي يستهويه، ويجد نفسه فيه، فيقدم ما يرتئيه صوابًا، متأملًا بأن يفيد القارئ ولو بالنزر اليسير ، وبغض النظر عن تقييمنا لقيمة ما يطرحه هذا الكاتب أو ذاك، وقد نتفق وقد نختلف معه وهذه مسألة نسبية، التفاوت في القدرات، هو من يدلل على التباين بين الأفلام، ويجب علينا كمتلقين أن ندرك ذلك وفي نفس الوقت لا نبخس حق أحد في التعبير عن مكنوناته، ولا نصادر على رؤياه لمجرد أن كتابته لم تكن بالمستوى المطلوب، لتبقى نظرتنا موضوعية لكل جهد مبذول، ومن الأفضل أن ننظر بعين الرضا لجميع أقلامنا المحلية ونؤطرها بالتقدير والاحترام والمحبة، ونعضد من أقلام بعضنا البعض، ونرحب بالأقلام الواعدة والناشئة بفتح الأبواب والنوافذ لتنطلق إلى عالم الكتابة الرحبة، ولا نقسر أحد على نهج معين ضمن رؤيتنا الخاصة، وتأكد أن كل يسعى لتقديم أفضل ما عنده، وأتفق معك ضمنيًا أن تجويد الكتابة ومعرفة أسسها الصحيحة وامتلاك مفاتيحها أمر ضروري لكل مشتغل بالكتابة.
يا عزيزي يعرف عني في الوسط التشكيلي هذه المقولة دائمًا أرددها حينما أسمع نقدًا لاذعًا وقاسيًا على أنامل الفنانين والفنانات فأقول لهم: "اتركوا الأزهار تتفتح" وغدًا ستخبرنا الأيام من هي الأقلام القادرة على الثبات والتجدد والابتكار، ستبقى الأقلام المبحرة بين المعرفة والصنعة والموهبة الحقة منارة في محيط الكتابة الإبداعية.
ارتسمت على محياه علامات الرضا وعقب بشيء من الامتنان، وثمة سؤال ظل يشاغله عن الذي لفت نظره مؤخرًا ومعجب بكتاباته: "أسالك من هو هلال الوحيد؟ هل تعرفه شخصيًا؟ هل هو مدرس قديم مثلك، ومن أي بلدة، وهل هو من جيلك، أود أن أعرف عنه أي شيء لأني أشعر حقيقة حين أقرأ له أن لديه قلم مثقف.
أخذت رشفات من الشاي وقبلها نفسًا عميقًا ثم أجبته باستحضار صور ومشاهد متفرقة من بحر الذكريات القديمة عن هلال الصبا، أجبته مرتحلًا بحنين لأيامنا الحلوة، قال: "ما شاء الله، ليش ما تكتب هذا في مقال"، قلت له متعجبا: مقال؟! - مع دقات جرس الحصة المنتهية ودخول وقت الفسحة، تركته وهممت للمناوبة -، وبين ضجيج الصغار، تخيلت نفسي بعمرهم رجعت طالبًا لاهيًا في المرحلة الابتدائية أركض في باحة المدرسة أفتش عن هلال من بين التلاميذ، لأحدثه عن زمننا الأجمل، أي مقال سأكتبه عنك يا هلال؟ وكيف؟ وماذا لدي لأقوله؟ فكرت مليًا واستذكرت ثلة من جيل اليوم جمعهم ذات مساء مجلس عام، ومن ضمنهم أولادي يتساءلون من هو هذا الكاتب؟



