العوامية.. عقاب بالنقل يحوّل أبو فور من موظّف عادي إلى خبير عالمي في «اللاإتلافية»

قرار من رئيسه المباشر بمعاقبته بالنقل من الدائرة التي يعمل فيها إلى هذه الدائرة وتلك وهذا الموقع وذاك، حيث كان يعمل في شركة أرامكو.. من هنا بدأت حكاية المهندس محمد عبدالله أبو فور، والذي استطاع أن يستغل هذه العقوبة ويحولها إلى فرصة للوصول، فانتهى به الأمر لأن يصبح خبيرًا عالميًا في الفحوصات اللاإتلافية، ويتوج بجائزة الإشراف التقني لفنيي ومهندسي ذلك النوع من الفوحوصات من قبل الجمعية الأمريكية للاختبارات اللاإتلافية، كأول مهندس من غير الجنسية الأمريكية يحقق هذه الجوائز منذ تأسيس الجمعية في عام 1941م.
البداية كانت في عام 1984م؛ بحسب ما يذكر أبو فور حيث توظف في شركة أرامكو، وفي عام 87 نقل إلى دائرة الفحوصات اللاإتلافية، في حينها كان العمل في هذا المجال بالأشعة فقط، دون التقنيات الحديثة المستخدمة فيها الآن، مشرًا إلى أن أكثر العاملين في ذلك الوقت من الجنسية الهندية والفلبينية.
ويضيف أن التخصص كان مهمًا جدًا ومرغوبًا لمن يبحث عن وظيفة مميزة، وساعات إضافية للعمل "أوفر تايم".
طموح أبو فور كان بمثابة وسوسة صالحة، تدور في فكره كلما صادف موقفًا جديدًا، يقول: في تلك الدائرة رأيت شخصًا أعطوه طاولة خاصة في حين كنا 50 موظفًا على ذات الطاولة، وكان يأمر وينهي، فسألت نفسي حينها؛ لماذا لا أكون مثله؟!
أبو فور لم يتجاوز عمره في ذلك الوقت الـ25 عامًا أو أقل، ولا أحد حوله، ولا خبرة لديه هو أو أحد العاملين في ذلك المجال حول ماهية ذلك النوع من الفحوصات، فقط وقع الاختيار عليهم وقيل لهم: اعملوا هنا، وبما أنه درس مدة ثلاث سنوات في المعهد الأكاديمي لأرامكو "ITC"، فقد أجاد الكتابة على الآلة الكاتبة باللغة الإنجليزية بصورة ممتازة حتى إنه كان يكتب 45 كلمة في الدقيقة الواحدة، تعرف وقتها على مجموعة أشخاص في الظهران وكانت جمعية الاختبارات اللاإتلافية في بداياتها حينها وكان اسمها فرع الجزيرة العربية، ذهب إلى هناك بعد أن سمعهم يتكلمون عن "كورسات" تقدم هناك وكان ذلك بين عامي 88 و89، ففكر: لماذا لا أذهب لأرى إن كانت هناك دورات لهذا النوع من الاختبارات، حتى وفق في الالتحاق ببعضها.
ويوضح أنه بعد ذلك واجهته بعض المشاكل مع رئيسه وكان من الجنسية الأمريكية، حتى تسبب في نقله لأكثر من مكان كرأس تنورة وينبع والأحساء، يقول: "تغربت كثيرًا، كان هدفًا رئيسيًا معاقبتي، ولكن ذلك العقاب انقلب لشيء آخر".
ويتابع: "لقد تعلمت جميع أنواع العيوب أو الخراب الذي يطال أنابيب البترول، كما تعلمت أن أتعامل مع الناس، وتعلمت أن أنجز العمل وأن أخمن نتيجته في نفس المكان، فلا أخرج من أي معمل إلا وأنا أعرف ثلاثة أرباع النتيجة لعملي وأعرف ماذا سأكتب، فلا يأخذ مني العمل في اليوم الثاني إلا أوقات قليلة، استطعت أن أستشف متى يمكنني أن أقدم النتائج وكيف أقدمها، حتى أبهرت العاملين معي بإنجازاتي تلك".
ويضيف: "بعدها عرفني العاملون في المناطق الأخرى أكثر من العاملين معي في منطقتي، ورئيسي مازال وضعه معي كما هو لم يخرجني من الوحدة التي أنا فيها، ولم يتخل عني، إلا أنني أصبحت أعرف نفسي أكثر وأقدرها أكثر، وبدأ الكثيرون يقدرون اجتهادي ويضعونه في عين اعتبارهم".
ويعود لعام 84 حيث اختاروه للابتعاث إلى أمريكا إلا أنه خاف -حسب قوله- ورفض الابتعاث، فخيروه بين الالتحاق بدائرة أخرى، موضحًا أنه أضاع تلك الفرصة والسبب أنه لم يكن هناك من يرشده، يقول: "في عام 2000 تم ابتعاثي إلى أمريكا، وفي وقت ابتعاثي قال لي أحدهم: "لا تفشلنا غيرك جابوا 2.8 و3"، ولله الحمد وفقت في بعثتي وحصلت على معدل 3.89، وفي آخر التخصص كان عندي منهج السايكلوجي وكان منهجًا جديدًا لم أعتده وهو ما أنزل معدلي لـ3.7، رغم أني كنت أطمح لأن أصل لمعدل 4 من 4".
لم يكن الابتعاث هو نقطة النهاية في قصة نجاحه، ولا خاتمة الإحباطات في حياته، يبين: "رجعت من بعثتي قبل الوقت وقد تخرجت حينها بمرتبة الشرف، إلا أنني فوجئت بعدم الزيادة في راتبي، لم أحبط حينها لأن الإحباط سيكون عائدًا عليّ، واصلت طريقي، وفي ذات العام أي عام 2000 أسسنا جمعية الفحوصات اللاإتلافية في المملكة العربية السعودية وكنت أنا الوحيد الفني معهم، ولأنهم كانوا يريدون نقاطًا فكان عليهم أن يرشحوا أحدنا ليفوز بجائزة الفني في أمريكا، ففوجئت بأحد الأمريكان يكلمني دون علم أي شخص ويطلب مني شهاداتي، وقبل هذا كنت قد حظيت بلقاء في مجلة أمريكية باللغة الإنجليزية وهي واحدة من المحطات التي لا يحظى بها كثيرون، وهو ما جعل سقف طموحاتي أعلى، لذلك قمت بتعبئة الاستمارة وطعمتها بشهاداتي ومؤهلاتي وقدمتها له، ولم أكن حينها أطمع في الجائزة بقدر ما كنت أحاول ألا يكون بيني وبين هذا الشخص أي زعل، خصوصًا أنه طلب مني شهاداتي أكثر من مرة".
وقد كانت تلك القصة بمثابة ظهور ثمار ما بذره من جهد وإصرار، فقد فوجئ بعد فترة بخطاب من الجمعية الأمريكية يخبره بفوزه بالجائزة، وهو الأمر الذي أسعده كثيرًا وحتى شركة أرامكو شاطرته سعادته، فمن غير المألوف أن يفوز بهذه الجائزة شخص عربي.
في عام 2006 أرسل أوراقه لأمريكا وكان هناك أمريكي يريد الذهاب معه، فوقعت أوراقه ولم توقع أوراق أبو فور، وحين علم أحد الرؤساء في أرامكو -نبيل الدبل- بالأمر، استدعاه ليكلمه في الموضوع، يقول: "لقد رأيت شيئًا مختلفًا في شخصية هذا الرجل، فقد غذى طموحي أكثر وحفزني ألا أتنازل أو أستسلم، كما أنه كافأني بأن طلب عمل فيزا لزوجتي من مكتب أرامكو في الرياض، وقال لي: "هذه المرة نريد أن تذهب معك زوجتك لنكافئها على ما وصلت أنت له".. هذه الكلمة بحد ذاتها أعطتني دافعًا كبيرًا لأن أكون في الأمام دائمًا".
يستكمل الحكاية: "ذهبت إلى أمريكا لتسلم الجائزة، وفي الحفل أسعدني كلام المقدم للحفل الذي جاء في كلمته: نحن هذا العام لم نتعب في اختيار الفائز، فمن لدينا لهذه الجائزة شخص يمتلك الكثير، وبدأ في التعداد، في ذلك الحفل كان هناك شخصان يعرفانني جيدًا فشرفاني بوقوفهما عند ذكر اسمي وكأنني أحد الرؤساء المعروفين، وحين عودتي كرمت في مملكتي الحبيبة أيضًا".
ووجه المهندس أبو فور -الذي سرد حكايته في أحد اللقاءات الأسبوعية بديوانية سنابس- كلمته للشباب بقوله: "والدك علمك وأدخلك المدارس حتى وصلت للجامعة ولكن الآن دورك في رسم هدف خاص بك أنت من عليه أن يبني سقف طموحاته، وأن يحدد أين سيصل، اختر طريقك بنفسك ولا تضع لك عراقيل أو تعقد مقارنات بينك وبين الآخرين، فطالما أنك الأفضل في تخصصك ستكون مرغوبًا ومطلوبًا وحتى مقدمًا في مجال عملك، لا ترضَ أن تعمل براتب أقل، ضاعف من الشهادات الجانبية حتى إن لم تكن في تخصصك، من الأفضل أن يمتلئ ملف سيرتك الذاتية بشهادات الدورات كي تكون مرغوبًا عند جهات العمل، فالعلم لا يتوقف، ثق أن كل ما تفعله يعود عليك وعلى منطقتك بالفخر".
وخص الآباء برسالة أخرى: "هذا التخصص مهم ليس في المملكة فقط بل في العالم، ولكل من لديه هدف أو خارطة طريق حتى لو لم يصل للمطلوب على الأقل سيصل إلى نقطة معينة يكون مرتاحًا نفسيًا أنه أنجز شيئًا، وفرص العمل في المملكة في هذا المجال ممتازة، فلتساعد ابنك ولتأخذ بيده حين تجده مترددًا في قراره أو متخوفًا".
وأكمل: "قدمت محاضرة في أمريكا لطلاب الثانوية كيف يمكنهم أن ينجحوا في هذا التخصص، لذلك كان الأولى أن أقدم هذه النصائح لأهلي هنا، بعد أن أثبت نفسي في أمريكا".
بعد هذا، ماذا نعرف عن «اللاإتلافية»؟
عن الفحوصات اللاإتلافية، ضرب أبو فور أمثلة من واقع الحياة، كاختبار الجح إن كان أحمر، إما بالضرب عليه أو بقطعه بالسكين، مبينًا أن قطعه يعد فحصًا إتلافيًا أما قياس جودته بضرب قشرته فقط فذلك هو الفحص اللاإتلافي، مشيرًا إلى أنه في مجال البترول لابد أن يتم فصح الأنابيب، من أجل السلامة والأمان في العمل والجودة وتقليل الخسائر.
وقال: "نجري دائمًا في حياتنا هذا النوع من الفحوص، مثل فحص عجلات السيارة أو محركها بالنظر فقط قبل تشغيلها، لأنك بحثت عن المشكلة من غير أن تتلف شيئًا في المركبة، وهذه هي الفكرة، نحن نريد عمل فحص لخطوط الأنابيب من دون توقف لأن توقف المعامل معناها خسارة مادية، يضمن لك الجودة والسلامة لكل شيء، كما أن جميع المنتجات وحتى أنابيب البترول تخضع لفحوصات من النوعين، فلكل شيء نوعين من الاختبارات، والاختبار اللاإتلافي يرفع التشغيل الآمن، فبعض الدول تستغني عن هذا النوع من الفحوصات لأن تكلفتها عالية، ولكن خسارة تلك الدول كبيرة، وكلما كان المنتج مطابقًا لمواصفات الهيئة كلما كانت قيمتها أعلى، كما أنها ترفع مستوى الأمان والجودة للمنتج وتقلل الخسائر بعكس الفكر السائد.
من إنجازاته:
أنه حاصل على شهادة البكالوريوس بمرتبة الشرف في الفحوصات اللاإتلافية من جامعة نورث هامتنغ بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو حاصل أيضًا على العديد من الشهادات العليا الدولية في مجاله المقدمة من معاهد متعددة في أوروبا وكندا وأمريكا.
وقدم أكثر من 25 ورقة عمل في مؤتمرات وملتقيات محلية ودولية في المملكة ودول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية كما أشرف على الكثير من طلاب الهندسة الميكانيكية وفنيي الفحوصات اللاإتلافية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وكلية الجبيل الصناعية ومعهد إتقان وعدة جامعات سعودية، وهو أيضًا عضو في ASNT وهي الجمعية الأمريكية للفحوصات اللاإتلافية منذ عام 1988م، وعضو مجلس الإدارة بنفس الجمعية في أمريكا وهو أول عربي ينتخب لهذا المنصب الرفيع في الجمعية.
ويشغل الآن منصب رئيس وحدة التفتيش للفحوصات اللاإتلافية المتقدمة في أرامكو السعودية، ورأس إدارة الندوة الأولى في معرض الفحوصات اللاإتلافية المقام في دبي في سبتمبر 2018 وقدم ورقة عمل بها، وفي عام 2006 فاز بجائزة فنيّ العام في الفحوصات اللاإتلافية بمدينة هيوستن، وفي عام 2012 فاز أيضًا بجائزة زميل، وقد كرم في مدينة أولاندو بأمريكا، وفي عام 2018 حصل على جائزة الإشراف التقني الفني ومهندسي الفحوصات اللاإتلافية وتعد هذه الجائزة على مستوى العالم في هذا المجال النفطي المهم وهذا التكريم كان من الجمعية الأمريكية للاختبارات اللاإتلافية في مدينة هيوستن.
وتم تكريمه مؤخرًا في مدينة هيوستن خلال مؤتمر الجمعية الأمريكية لحصوله على جائزة التوجيه 2018 لتميزه في الإشراف التقني والمهني والإرشاد والتطوير لفنيي ومهندسي الفحوصات اللاإتلافية والهندسة الميكانيكية لمساهماته البارزة والمتنوعة في هذا المجال، وقدم له الرئيس التنفيذي في الجمعية الأمريكية شهادة شكر وتقدير.

























