ورقة من دفتر مذكراتي

كلمة، كلمات غيرت حياتي، ممكن.. .
إنه صباح الجمعة ١٩٩٢/ ٤/٦، الآن عند شاطئ نصف القمر، أتنفس بعمق إشراقة السماء نهارًا، صفاء وهدير البحر، يعزف ألحانًا، تأخذني إلى أعماقه، أبحر ذاكرتي إلى أعماقه، تتألم هناك.
إنها كلمة، كلمات، بللت وسادتي ليالي طويلة، عاشت بداخلي شظايا، حفرت بداخلي الكثير، كانت آخر سجدة من كل صلاة، كبسولة مهدئة، تخفف من عمق كلمة جارحة، سرقتها ابتسامة عفوية، لمن حولي.
مرت سنوات التقيت بها مجددًا، صافحتني بحرارة، أومأت لها برأسي شكرًا، أمسكت ذراعي بقوة، لتأخذني جانبًا، تقول: آسفة. بابتسامة باردة صافحتها: لا بأس انتهى كل شيء، وذهب مع الريح، سنوات مضت استرسلت معها الحديث بلامبالاة، قلبي يحاكيها: لا مكان لك الآن، شكرًا، زهراء اليوم ليست زهراء الأمس.
أتذكر كتابًا قرأته، بعنوان "الرجل الذي طوّق أعناق النساء ميكوموتو"، للمؤلف الفرنسي جاك ليفر. ميكوموتو، هي جزيرة في اليابان تحمل اسم الرجل الذي اخترع اللؤلؤ الصناعي، أو "اللؤلؤ المزروع"، هذا الرجل، يعلم أن حيوان اللؤلؤ، يحتاج سنوات لكي يفرز حبة كاملة الاستدارة، فكر كيف يساعد هذا الحيوان، لإنتاج هذه الحبة في مدّه أقصر، وضع حبة صغيرة داخل جسم هذا الحيوان الذي حاول أن يعزل هذه الحبة عن بقية جسمه، ليقوم بفرز سائل لامع هو الذي يكون حبة اللؤلؤ في وقت قصير.
نعم أنا اليوم هذا الفنان والكائن الصغير الذي يعيش في قاع البحر، وبالقرب من الشاطئ، فجأة يتسلل شيء إلى جسمه، هذا الشيء ممكن أن يكون ذرة رمل، أو كائن ميكروبي، إنه الشيء الضئيل جدًا يؤلمه، يوجعه، يهرب بعيدًا ويظل يئن في باطن الأعماق، ليعزله بمادة يفرزها، لتتكون هذه اللؤلؤة باهظة الثمن من زفير وجع هذا الكائن.
إنه فنان انطوى على جرحه وعلى وجعه، وهذا العمل الفني الرائع قد عزله من الموت الذي يهدده، وعاش حياته في حبة لامعة لا يعرف أين يذهب حتى يتم نزع هذه اللؤلؤة الصناعية منه. إن المؤلف أشار في كتابه إلى اعتراف ميكوموتو بسر تعلمه لصناعة اللؤلؤ الصناعي من حياة الرهبان، وعزلتهم في صومعة وحياة قاسية جافة، ليخرجوا بعدها بأرق وأجمل القصائد الروحانية الشعرية.
آسفة، كلمه لا قيمة لها الآن،
آسفة، أيتها الكلمة قفي من أنتِ،
آسفة، كلمة لا تعيد الحياة،
آسفة، كلمة كباقة ورد على قبر الفنانة الشهيدة!!!
حقًا، لو عرف الذين يتكلمون وقع كلماتهم في نفوس الآخرين، حينها، ارتجفت شفاههم ، لترددوا قبل أن يتفوهوا بكلمة، لعرفوها كيف تأتي أحجارًا سقطت في ماء ساكن، هزته ثم سكن، أو كانت سمومًا جاءت النهاية بعدها.
إنها الكلمة أو الكلمات،
التوراة بدأت بهذه الآية: في البدء كانت الكلمة، وكانت الكلمة هي الله جلّ جلاله، والقرآن الكريم يقول "كن فيكون"، وبكلمات تامات بنيت سبع سموات، وسبع أرضين، وفي تاريخ السحرة القديم، تجد الساحر يستخدم كلمات لها قوة الأشياء المادية، لها الحديد والنار، وشياطينهم الغوية.
في عالم الحب، هو أيضًا عالم السحر، فكل ما في الحب، يبدأ وينتهي بكلمة، كلمة واحدة، ممكن تكون بقوة كن، أو عظمة فيكون، فكان ما يكون بكلمة، عند ضفافك أيها البحر، حيث الأعماق، نبي الله يونس عليه السلام، توسد ظلمة بطن الحوت أعوامًا طوال، عاش في صومعة في الأعماق، ليخرج بعدها صفاء نفس تقية قريبة من معاني الحقيقة، قريبة من الله عزّ وجل، مؤمنًا ومطمئنًا، وبقوة إيمانية ذائبة إيمانًا، تغير الأشياء ولسان مؤثر، ابتهالات بمعاني الروح، الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ليؤثر على الناس ويبسط رداء الدعوة لله عزّ وجل.
أنا اليوم أقول: شكرًا لكِ أيتها الكلمات، مؤلمه، موجعة أنتِ، لكنك لم تنالي مني، كُنتِ ميلادًا، لزهراء مختلفة، موسيقى أشعاري اليوم تعزف لحنًا جديدًا، زهراء بمدارك أوسع، قلبًا يمطر من سماء واسعة رضًا واطمئنانًا بوجوده قربي دائمًا، ومفتاح أموري كلها باحتسابه في خطواتي والتوكل عليه ومناجاتي كل صباح، سيدي ثبت خطاي على دربك واغمر روحي بنشوة رضاك وحلاوة قربك.



