ربّاه ...

قد كُنتُ معدوماً وما خلّيتني
وإلى الحياةِ برحمةٍ أوجدتني
في نطفةٍ قدّرت أمري راحماً
في عالمِ الأصلابِ إذ كوّنتني
واخترتَ لي أُمّاً توالي حيدراً
وبعالمِ الأرحامِ قد أسكنتني
أنشأتَ خَلقي دُونَ أيِّ إرادةٍ
مِنِّي وأنت كما تشاءُ خلقتني
مُذ كنتُ في أحشاءِ أُمِّي لم تَزل
برعايتي غذّيتني وسقيتني
وجعلتَ لي ببديعِ صُنعكَ صورةً
وبقدرةٍ ومشيئةٍ ركّبتني
وطُوالَ تسعةِ أشهُرٍ ومسيرةٍ
أكملتَ أطواري وقد عدّلتني
ومددتَ لي حبلاً يُغذّيني وما
مِن محضِ لطفك سيّدي آيستني
ومنحتَ أعضائي هناكَ سلامةً
من دونِ نُقصانٍ وما شوّهتني
ووهبتَ لي روحاً بأعماقِ الحشا
وإلى الدُّنا في رحمةٍ هيّأتني
أزعجتَ والدتي بطلقٍ مُفزِعٍ
لِتريحَ مِن ثقلٍ وقد أخرجتني
وفتحتَ عن سمعي وعيني كي أرى
ما ليس أدركُهُ وقد أرشدتني
وجعلتَ لي مِن ثديِ أُمِّي مطعماً
لبناً مريّاً سُقتَهُ و رزقتني
وعليّ عطّفتَ القُلوبَ ولَم تَزل
مُتعَطّفاً ولحُضنها آويتني
زوّدتَها مِن فيضِ لُطفِكَ رحمةً
وبِبُردِ لُطفِ حنانها غطّيتني
بدني ضعيفٌ ليسَ لي مِن قدرةٍ
إلاّ لما أغذو وقد قوّيتني
لم تطلُعِ الأسنانُ بعدُ وذاك مِن
لُطفٍ ومصلَحةٍ بها أرفدتني
واشتدَّ عُودي بالرّضاعِ وقد دَنا
وقتُ الفِطامِ ولَم تكُن أهملتني
أنبتَّ أضراسي بفكِّي رحمةً
لأقومَ في مضغٍ لَهُ يسَّرتني
وجعلتَ لي نُطقاً سليماً واضحاً
إن كنتُ أبديهِ وما أبكمتني
وفتحتَ عيني كي أرى الخلقَ الذي
أبدعتَه وعليكَ أنت دللتني
أوكلتَ لي أُمّاً هُناكَ ووالداً
ولدى الرّعايةِ منهما أوليتني
وبلغتُ سبعاً بعد ألعابِ الصِّبا
وعلى الصّلاةِ وأمرها درّبنني
ولدى البلوغِ أردتَ لي شرفاً بما
في واجباتِ الشّرعِ قد كلّفتني
فأمرتني بأوامرٍ ونهيتني
بزواجرٍ وبذاك قد شرّفتني
يسّرتَ لي أمري بدون مشقّةٍ
وبطيبِ أنواعِ المعاشِ رزقتني
وبمنّك الأعلى العظيمِ كتبتَ لي
سعداً وأصناف الرّياشِ وهبتني
وجعلتَ لي عقلاً سليماً نَيّراً
فيه أُمَيِّزُ ما إليه دَعوتني
وسعيتُ في طلبِ الحلالِ بمهنةٍ
وبعونك اللهمّ قد وفّقتني
وطفِقتُ أبغي زوجةً موصوفةً
بجميل أخلاقٍ وقد زوّجتني
و رزقتني منها الحنانَ وأُلفَها
وبوصلها يا ربِّ قد أسعدتني
ووهبتني ذُريّةً منها وقد
نلتُ المرامَ وأنت أنتَ حبوتني
وطلبتُ بيتاً فيه أجمعُ أُسرتي
ولقد أجبتَ وفيه قد أسكنتني
وإذا وقَعتُ بمأزِقٍ وبشدَّةٍ
ولجأتُ مِن ضيقي إليكَ رحمتني
وإذا مرِضتُ رفعتُ كفّي بالدُّعا
أدعوك إذ في ذاك أنتَ أمرتني
فأجبتَ مسألتي هُناك ودعوتي
إذ أنتَ قد عافيتني وشَفيتني
وإذا اعتراني هَمُّ دُنيايَ التي
لا ينقضي همِّي بها آنستني
إنِّي لمفتقرٌ إليكَ بحاجتي
وإذا شكرتُك يا إلهي زدتني
وإذا أتيتُ الموبقاتِ بخفيةٍ
ما كُنتَ تفضحُني بها وسترتني
وإذا عصيتُكَ ثمّ جئتُ بتوبةٍ
أغضيتَ عن جُرمي وقد سامحتني
وإذا أتيتُ بزلّةٍ وجنايةٍ
في رأفةٍ من سوئها نبّهتني
وإذا اعترتني حيرةٌ مِن كلّ ما
أصبو إلى نيلٍ له وجّهتني
وإذا ابتعدتُ وأدركتني غفلةٌ
من ساحِ قربكَ والهوى قد قادني
ألقيتَ في قلبي محبّةَ عودةٍ
لجميل قُربِ الأنسِ منك جذبتني
لأكونَ مُلتزماً بأمركَ دائماً
ومن العنايةِ ما أخالُ قطعتني
كم كربةٍ مرّت وأنت تُزيلُها
عنّي ومن بلوائها جنّبتني
وجعلتَ لي بينَ الأنامِ مكانةً
ورفعتَ لي شأناً وما حقّرتني
وغمرتني باللّطفِ إذ أمددتني
عُمراً مزيداً فِيهِ قد هنّأتني
أعطيتني عافيتني قوّيتني
أرشدتني فهّمتني علّمتني
آويتني سلّمتني أبقيتني
أنقذتني خلّصتني وكفيتني
أطعمتني وسقيتني وأعنتني
وعلى الأمورِ بقوّةٍ مكّنتني
أضحكتني أبكيتني وسررتني
ولِما مضى مِن مؤلمٍ أنسيتني
عرّفتني أظهرتني قدّرتني
ولساحِ قُربٍ منكَ قد أدنيتني
ومنحتني بالليلِ نوماً هانئاً
من دون تعسيرٍ وما أرّقتني
قد كنتُ في حالِ المنامِ كميّتٍ
وبرحمةٍ يا ربِّ قد أحييتني
أصحو وأغدو للمعاشِ وأنتَ مَن
قدّرتَ لي قوتاً وما خيّبتني
وضمِنتَ للسّاعي بأرضكَ رزقَه
وقسمتَ لي مِن ذاك ما متّعتني
ولصنعِ ما فِيهِ النّجاةِ بمحشرٍ
سدّدتني وإليه قد وفّقتني
جنّبتني أَهْلَ الشرور بمنّةٍ
وبنخبة الأخيارِ قد أصحبتني
أسكنتَ قلبي حُبَّ آلِ محمّدٍ
فهواهمُ قلبي وما أشقيتني
واليتُهم فرأيتُ منهم نعمةً
عُظمى وفِي هديٍ لهم ربّيتني
بِهمُ الشّفاعةُ تُرتجى وبهِم غداً
ألقى الذي بولائهم بشّرتني
أنا لستُ أنسى يا إلهي أنعُماً
أعطيتنيها بل بها أكرمتني
أوصيتَ في بِرّي عيالي مثلما
للوالدين هناك قد أوصيتني
ذكّرتني بالموتِ إذ أرسلتَ لي
رُسلاً وقبل منيّتي أنذرتني
مرّت عليّ جنائزٌ وتبعتُها
وبها جميعاً في المقامِ وعظتني
والشّيبُ بان بعارضي وبلحيتي
و لطورِ مرحلةِ الصِّبا أرجعتني
عمّرتني فرأيتُ عُمري أرذلاً
وبطولهِ في الخلقِ قد نكّستني
وهَنت عظامي والجلودُ تجعّدت
وخريفُ عُمري للذهابِ يسوقُني
ضعُفت هنالك قوّتي وتضعضعت
وكأنَّما داعي الحِمامِ يحوطُني
خُذها إلهي إنّها مُنقادةٌ
في طوعِ أمرِكَ إذ بذاك قهرتني
وقهرتَ في ذاك العبادَ بأسرها
وإلى لقائكَ سيّدي قربتني
هي نُقلةٌ مِن عالَمِ الدُّنيا إلى
قبرٍ به أنزلتني وسترتني
فاحشُر عُبَيدَك يا إلهي في غدٍ
مَعَ مَن بعقدِ ولائهم فضّلتني
رُحماكَ ربّي إنَّ عبدَكَ موقِنٌ
لا ملجأٌ إلاّ إليكَ وإنَّني
أرجو بيومِ الحشرِ منكَ مفازةً
ومعَ الهُداةِ حشرتني وجمعتني
وسقيتني من كفِّ حيدر شربةً
وبروضِ جنَّاتِ الخُلودِ جعلتني



