أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أوهام العقول

هلال الوحيد · القطيف اليومالجمعة 25 يناير 2019، 4:32 م
أوهام العقول

احترت أن أعرفَ هل انا أذكى أم بقية المخلوقات؟ نظرتُ في الغرابِ كي أرى، منذ قتلت أخي في بداياتِ التاريخ وكنا اثنين، لم أعرف لم حسدته، وبعدها كرهته ثم قتلته، وبعدما قتله لفرطِ ذكائي لم أعرف كيف أغسل العارَ وأواري سوأةَ أخيَ القتيل تحتَ التراب، صار الغرابُ أذكى مني، ذاك الطائر الأسود الذي بعدها صببتُ جزءًا من كراهيةِ أخي فيه، لا أطيق رؤيةَ الغرابِ الذي علمني كيف أدفن حقدي تحتَ الأرضِ وكنتُ عاجزًا أن أكونَ مثله!

كرمني ربي، أعطاني عقلًا أرتقي به فوقَ من خلق عندما أُعمله وليس عندما أمتلكه، حينها تبدو مسألة فيها نظر! شيء أعطانيه ربي وحرمَ باقي الخلق ولأنه يسكن رأسي عقلٌ أنا الأفضل، أنا الأكرم. لا يذكر التاريخُ صراعًا بين نوعٍ من المخلوقات دام ولم ينقطع منذ أن برأها الخالقُ سوى صراع الإنسان، حتى تجعلنا نشك في عدم وجود العقل فيها. يقضي الإنسانُ جل حياته يحتال كيف يملك أكثر، وكيف يسيطر أكثر، وكيف يكيد أكثر، أليس هذا نحن البشر؟

أُعمل عقلي أركع في المعابد، وبعدها أنامُ مع الشياطين في كل الأماكن. لا تعرف المخلوقات، غير البشر، الدينَ أو الضميرَ أو حتى المال الذي هو لي أكلٌ وشربٌ ولباسٌ وسكنٌ وأنا أصر أن أجمعَ الأصفارَ منه دون غيري، كلما ازددت صفرًا عن يمينِ الأرقام زادت بهجتي. أنا طوعتُ كل شيءٍ وروضتُ كل مخلوقٍ في الكونِ ولم أستطع أن أطوعَ أو أروضَ نفسي.

ذات يومٍ وضعتُ أشياءً في جيبي وبعد ساعةٍ نسيتُ ماذا وضعت في جيبي حتى أخرجتها ونظرتها، ولكي لا أبدو محرجًا وغبيًا صرت أسأل أصدقائي إن كانَ هناكَ إلهٌ للكونِ أم لا؟ وإذا كان أريد أن أراه. قال أصدقائي نشكر اللهَ إذ لم يجعلك أكثرَ ذكاءً فلو تذكرتَ ما في جيبكَ كنت سألتَ عن معقولٍ في الإدراكِ والمعرفة!

أشقى الناس وأبعدهم عن الإنسانِ من أعطاه اللهُ عقلًا وكفى! لم يبحر به في نفسه، ولم يبحر به في الكون. أكاد أجزم أن ما وصل إليه البشرُ من آلاتٍ وأدواتٍ ليس إلا نتاج المراتبِ الدنيا من العقلِ التي تدفعها الغريزةُ والحاجة ولا ترقى ليكون دافعها العقلُ العميق الذي يجعل من الإنسانِ خلقاً متفردًا في العلو والرفعة.

إن كنتَ غيرَ هذا فأنا أعتذر إليكَ بكل جوارحي، وقل لي من أنتَ، سوف أنط فرحًا لأنني وجدت إنسانًا.