أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
وظائف

القطيف.. الخاتم: بعد شهادتي الجامعية عيناي حرمتني الوظيفة

حوار: جمال الناصر · القطيف اليومالأربعاء 30 يناير 2019، 7:01 ص
القطيف.. الخاتم: بعد شهادتي الجامعية عيناي حرمتني الوظيفة

أن تلج عالمهم، تستكشف حكاياه، تبحر قلبًا، يراعًا، فكرًا، تقف عاجزًا، كل الكلمات التي في يديك، تهاجر، كأسراب الطيور المهاجرة. خريجة قسم اللغة العربية امتياز مع مرتبة الشرف الثانية بجامعة الملك سعود بالرياض، لم يحالفها التوفيق لتكون معلمة، لترفض مرارًا، كلما تقدمت بطلب وظيفة في المدارس الأهلية، حين يعرفون أنها كفيفة، إلا أن حياتها لم تتوقف، مطمئنة، تعيش دقائق يومها بكل التفاؤل، تمشط أحلامها، بدفء لحظات المستقبل، الذي ترقبه، يأتي جميلًا، كفيفة بصريًا، إلا أنها مبصرة روحها، فكرها، ما يخطه يراعها.

"الخاتم"، في حوارها مع «القطيف اليوم»، تفتحه الأفق، تأخذنا لنعيش التفاؤل، نحن المبصرين، ترتشف الروح كلماتها الهادئة، العميقة التطلعات، لم يكن فقدها البصر، يشكل عائقًا لها، ولن يكون، هكذا كانت، لتجيء.

س: عرفينا على بطاقتك الشخصية والعلمية والأدبية؟
ج: زينب علي آل خاتم من مواليد محافظة القطيف، خريجة بكالوريوس لغة عربية، امتياز مع مرتبة الشرف الثانية من جامعة الملك سعود بالرياض، كفيفة البصر منذ الولادة.
كانت دراستي في معهد النور بالأحساء، ومن ثم انتقلت للعاصمة الرياض للدراسة الجامعية حينما ولجت عالم الإبداع الأدبي، كنت كأيِ طفلة تهوى الاستماع للقصص والروايات الخيالية، أعشق نسج قصص قصيرة، تفتقر لارتباط الأشياء مع بعضها البعض الآخر، ولكن هذا ولله الحمد، ساعدني كثيرًا حيث نما عندي الخيال الخصب الندي، ثم طفقت أنثر مشاعري عبر الرسائل الوجدانية المتبادلة بيني وبين أفراد عائلتي، وحينما اتخذت لي مقعدًا في المدرسة، نثرت حروفي وأحاسيسي بين أحضان خواطر ومقالات وقصص قصيرة، أخيرًا التحقت بدورة بحور الشعر بمركز رعاية المكفوفين بقيادة الأستاذة الشاعرة والمبدعة أمل الفرج، وفي الحقيقة عالم الأدب واسع لا نهاية له، إذ إني ما زلت أحبو على أرضه الحانية، وأنهل من عذب فراته، ففي كل يوم أكتسب مهارةً جديدة.

س: حدثينا عن فقدك للبصر، متى كان، وما أسبابه؟
ج: ولدت كفيفة جزئيًا، أصبت بسائل أبيض وأزرق بالعين "جلوكوما"، مما أدى للتشويش على الشبكية وفقدان البصر، والحمد لله على جميل صنعه وجزيل كرمه، فلقد امتلأ قلبي بنور عظمتهِ، فماذا أفقد بعد هذا الاصطفاء كي أطلبه؟!

س: لما اخترتم تخصص اللغة العربية، تحديدًا، ألهذا الاختيار قصة ما؟
ج: في الحقيقة لا توجد قصة تذكر، سوى عشقي للإبحار في أعماق لغة الفصاحة والبلاغة واستخراج كنوزها الثمينة.

س: هل تمارسين وظيفة الآن، تتوافق مع تخصصك "اللغة العربية"؟
ج: لا، إلى الآن لم يكتب لي الله الوظيفة كون تخصصي غير تربوي، وقد تواصلت مع بعض المدارس الخاصة في حال صدور الإعلان عن احتياج معلمات لغة عربية، وبمجرد إخبارهم بكف بصري سرعان ما ينتهي الموضوع بالرفض، لكني متفائلة جدًا بفيض الله ولطفه، لأنه سيغدق عليَّ بجوده وكرمه، فهو لا يغفل عن عباده، هكذا علمتني أمي أن أقول إلى كل أحلامي المتأخرة، تريثي فإن لكِ فأل يوسف النبي عليه السلام، وأنا سأتريث حتى يأتيني الفرج.

س: برأيك، ما الصعوبات التي تواجه فاقدي البصر -الكفيف- في حياتهم الأسرية والاجتماعية والثقافية والأدبية؟
ج: برأيي أَن الأسرة هي النواة الأساسية لصقل شخصيات أبنائها وتذليل كل العقبات التي قد يواجهونها في طريقهم، في هذه الحياة لا توجد صعوبات دونَ تسهيل وتذليل ولا مشكلات دون حلول، وإنما يوجد مجتمع معيق، يفرض أوامره كيفما يشاء.

س: من يمثل النموذج، القدوة الحسنة في حياتك، ترينه خط الاستواء، يأخذ بيديك من حندس الظلام إلى بوارق النور، ويصبغ معنوياتك بكل الإيجابية، والتفاؤل؟
ج: لقد وهبني الباري أسرة، تأخذ بيدي نحو النور المشرق والأمل الوهاج، فأبي ربان سفينة الإرادة والأمل وأمي جنةٌ سجدت عندَ بابها آمالي وأحلامي، أختي نهر يتدفق حبًا ونورًا وحياة، إخوتي طود عظيم ألوذ به كلما عصفت بي رياح الألم، فأشكر الله على نعمه الجسيمة وعطاياه الجميلة.

س: حلم تريدين تحقيقه، وللآن في انتظاره؟
ج: في الواقع أحلام، وليس حلمان، أكون سفيرة للأخلاق، وأن أكون سببًا لرسم السعادة في قلوب من أسعدني ومنحني الأمل والاستقرار، وأكمل دراستي العليا في تخصصي الرائع.

س: ماذا عن وجودك مدربًا معتمدًا من المجلس الخليجي للتنمية البشرية، وفي أي عام كان؟
ج: في عام ٢٠١٤م، التحقت ببرنامج التدريب الاحترافي بقيادة الدكتور المتألق سلمان الحبيب، وكنت الكفيفة الوحيدة بين المتدربات، وبفضل الله تعالى وبفضل تعاون الدكتور والجميع لم أشعر بالغربة، بل استطعت إثبات وجودي بكل أريحية وجدارة، وبعد أشهر قليلة من العام نفسه التحقت ببرنامج التدريب الاحترافي tot بقيادة الأستاذ المبدع حسين آل مهنا، وكان الاعتماد من المركز الكندي العالمي، أيضًا كنت الكفيفة الوحيدة من بين المتدربين والمتدربات، بفضل ربي وبفضل تعاون الأستاذ والجميع أثبت وجودي بكل جدارة وتميز.

س: أحكي لنا عن تجربتك في مسابقة سيدة جمال الأخلاق، وما اقتراحاتك وتطلعاتك، لتأتي في أجمل حلة؟
ج: كانت تجربتي آنَذاك تجربة فريدة من نوعها، إذ كنت طالبةً في السنة الثانية في الجامعة وبعد الله سبحانه وتعالى شملني بلطفه واجتزت جل الصعوبات بمرافقة أختي الوحيدة وشريكتي في مسيرتي ونجاحي، فقد كانت لي ولا تزال سورًا أحتمي به، وقلبًا يهبني النبض والحياة، شرعنا بمرحلة التدريب الرائعة، ثم الاختبار التحصيلي، ثم المقابلة الشخصية، ومسار الرحلة، ثم ميدان التطوع وأخيرًا مرحلة التتويج والفوز. مسابقة أخلاق البر في كل عام تبهرنا بإنجازاتها المتميزة وتطلعاتها الرائعة، فالأستاذة خضراء المبارك إنسانة طموحة وترتقي أوج المجد بروعة إنجازاتها.

س: حدثينا عن ورشات العمل والدورات، التي تقدمينها، وكيف تصفين هذه التجربة؟
ج: قدمت عدة ورش تدريبية لمبصراتٍ وكفيفات، وكانت مكللة بالنجاح، تجربة حلقت فيها على أجنحة الحب والسعادة، لأكون خير ثمار يانع ليفخر بي من أخذ بيدي وألهمني.

س: هل لديكِ إصدار أدبي يحتضن كتاباتك، إذا لا يوجد، ما المانع من دخولك عالم الإصدارات؟
ج: في واقع الأمر لا يوجد إصدار معين يضم ما يعتلج في داخلي وبنيات أفكاري مع إلحاح الكثير بأن تكون لي باكورة أدبية تمثل زينب، ولا أخفي على الجميع رغبتي في تحقيق هذا الحلم المنتظر، لكن بعد تحقيق ما أصبو إليه من تحقيق هدف يخدم زينب والمجتمع والعالم إن شاء الله، ووضع بصمة زينبية بحيث تبقى غضة وفتية وخالدة، وإن شاخ الزمان وهرم.

س: موقف أثر فيك حزنًا، وآخر بعث الراحة والاستئناس في ذاتك سعادة غامرة؟
ج: الموقف الذي أدمى قلبي وأسبل الدمع من عيني غدرانًا هو: إحدى صديقاتي أخبرتني بأنها التقت بطفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة تقول: أنا ليس لي أم! ماما لا تريدني لأنني عمياء، هل من الممكن أن تكوني لي ماما، أنا أحبك كثيرًا، فلم أجد نفسي إلا وأنا في متاهة من الذهول! فكيف لمن جعلت الجنة تحت قدميها أن تتجرد من الإنسانية، وتتبرأ من فلذة كبدها. وأما عن الموقف الذي بعث في نفسي الراحة والسعادة الغامرة: قبل أربعة أعوام تقريبًا، قام أهلي بإهدائي جهاز "برايل سينس"، وهو جهاز يخدم المكفوفين في شتى المجالات العلمية والعملية، ولطالما تمنيته فقد كان حلمًا بالنسبة لي والحمد لله، تحقق هذا الحلم مع أني لم أصدق أن الجهاز لي، فبقيت فترة أستخدمه بحذر وكأنه عهدة في حوزتي.

س: البعض يرى أن فاقدي البصر، اجتماعيًا وثقافيًا، ثمة قصور في احتضانهم من قبل المجتمع، كذلك في كل ما يخص الفعاليات والمسابقات، مشاركة كانت، أو أركانًا، تهتم بفئة فاقدي البصر؟
ج: لعل ذلكَ يعود إلى عدم التوعية بالمكفوفين وقدراتهم، وأنهم ينتمون للمجتمع كبقية أفراده، وعدم إعطائهم الفرصة لإثبات أنهم قادرون وجديرون بحمل مسؤولياتهم وإنجازها على أكمل وجه، وإقصائهم بحجة أنت أعمى ولا يمكنك المشاركة مع الأسوياء.

س: للأصحاء الذين يتغنون بألوان العشب، زرقة البحر، ملامح أحبتهم، ماذا تقولين؟
ج: اللهم متعهم بأبصارهم وجد عليهم بالخير، وألهمهم شكرك وأغدق عليهم سوابغ نعمائك.

س: ما أبرز إنجازاتك، الذي تفتخرين به؟
ج: من إنجازاتي التي أفتخر بها كثيرًا، انتمائي إلى جائزة رسالة للعمل التطوعي، إذ كنت نائبًا في لجنة التدريب والتأهيل لمدة أربع سنوات، جائزة رسالة، تخدم الأعمال التطوعية غير الربحية، سواءً أكانت صحية، أو بيئية أو أدبية وغيرها الكثير، والهدف من ذلك تشجيع المبادرات التطوعية المنجزة والواعدة من أجل استدامة المشروع ونمائه، وفي لجنة التدريب نسعى جاهدات لتقديم مسار تدريبي شامل ومتكامل يخدم المبادرات التطوعية وتحقيق الهدف المنشود، وهو استدامة المبادرة.

س: في بضع كلمات، ماذا تمثل لك هذه الأحرف "الحب- الزواج- المجتمع- الإحباط- السعادة-الغربة- اللحظة- اليتم- الكفيف- الأبناء"؟
ج:الحب: حرفان حملا بين دفتيهما عوالم مقدسة من القيم والأخلاق "وهل الدين إلا الحب".
الزواج: رباط مقدس، ينتج الذرية الصالحة، هم الأبناء.
المجتمع: بيئة تحتوي على العديد من الأفراد، تجمعهم مصالح وأهداف مشتركة.
الإحباط: لا يوجد فشل في الحياة، وإنما توجد نتائج.
السعادة: نستشعرها في بسمة طفل، ونظرة مسن، وحنان أم، ونبرة أب، ترابط إخوة، لكنها تكمن في سجدة شكر لله سبحانه، وستتجلى في يوم القيامة، تلك هي السعادة الحقيقية.
اللحظة: هي شعاع الأمل الذي أحب أن أعيشه بكل تفاصيله.
اليتم: فقد الأحبة غربة.
الغربة: سلاح ذو حدين، ومن المحطات التي قد ترتقي بالإنسان نحو مدارج العلا، أو تهوي به في مهاوي الردى.
الكفيف: هو من يتمتع ببصيرة قلبية أهداه الله إياها، كي يواجه عالمه بكل ثبات وعزيمة غير مكترث بغياب بصره المادي.

س: زودينا ببعض من مقتطفاتك الأدبية، التي تصيغها أناملك؟
ج: بعض من قصيدة "لعينيك جبًا":
أَحارُ بِأَيِّ الْخِصالِ أُشِيد
فَفِيكِ تَتُوهُ النُّهَى فِي سَفَرْ

فَأَنْتِ الَّتِي قَدْ هَوَتْها الْقُلُوب
وَأَنْتِ الَّتِي تَنْثُرِينَ الدُّرَرْ

حَدِيثُكِ دِفْءً عَطاءً يَفِيض
وَبَسْمَةُ ثَغْرِكِ ماءُ الْمَطَرْ

تُناجِي الْإِلَهَ بِقَلْبٍ شَغُوف
وَتَرْسُو بِمَرْساكِ كُلُّ الْعِبَرْ

****
أَخْرَسَ الحُزْنُ لِسانِي عَنِ الكَلامِ
وَكادَ قَلْبِي يَتَوَقَّفُ عَنِ النَّبْضِ
كُلُّ شيءٍ هَجَرَنِي
حُرُوفِي
كَلِماتِي
يُسْعِفُنِي بِالعَطْفِ
حَتى اِبْيَضَّتْ أَعْيُنُ عاشِقِيكَ حُزْنًا وَتَفَجُّعًا
فَمَتَى سَيُلْقَى قَمِيصُ العَدْلِ والحَياةِ عَلى وُجوهٍ غَيَّرَتْها مَرارَةُ الفِراقِ
وَيَنْتَشِلُنِي مِن لُجَّةِ اليَأْسِ بِالحَنانِ

رحيقُ الحياة
ضَعْ بَصْمَتَكَ الإبداعيةَ أَيْنَما كُنْتَ وَتَرَنَّمْ بالتَّمَيُّزِ، وكُنْ كالغيثِ الذي يَرْوِي الأَرْضِ الْقفراء، وكالشجرِ تُعْطي دونَ مُقابِل، وَكُن كالشَّمْسِ تُهْدي الحُبَّ والعطاءَ لِمَن حَولك.
واعْلَمْ بِأَنَّكَ جديرٌ بهذا التأَلُّقِ والامْتياز لِأنكَ رَكَلْتَ صُخورَ الأَلَمِ بالأملِ وَصَيَّرْتَ الظَّلامَ الدامِسَ نورًا مُشْرقًا وهاجًا..

س: كلمة أخيرة لكِ، ما هي، ولمن توجهينها؟
ج: باقات شكر تفوح بأزكى العبير والعرفان، أقدمها بكل احترام للأستاذ جمال الناصر خاصة، ولـ«القطيف اليوم» عامة على هذا اللقاء الرائع، فشكرًا شكرًا بحجم الكون.

بلدات:القطيف