سيادة العقل

يجمعنا العقل ويحمينا، إن سوّدناه ولن يسودَ إلا بشروطٍ، يحكم اللسان، ويقيد العواطف، تنفذ أفعالُنا بعد مرورها عليه، له فصل الخطاب في الحوار، يشارك عقول مَن حوله، ويحترمها ليُقابل باحترام، يسلك طريق ألصوا بعقلانية وهدوء أعصاب، ترافقه الحكمة ويُحمي بحلم، وينطق بطيب الكلام.
ولن يفيد هذا ما لم نكن على علم ومعرفة بما نخوض فيه من معانٍ وأهداف، وما يُراد منا ونتكلم فيه وعنه، ندرس بدقة وتحقيق ما يعنينا من أمرٍ وحدث، وهل لنا حق نقاشه وقول الرأي فيه؟ أم هو خارج عن اختصاصنا؟.
مع الاستفادة من آراء وأفكار من سبقنا من رجال، نمحّص التاريخ ونقيس ما يشابه من مواقف، كيف نجحت؟ لماذا فشلت؟ ما هي الأضرار المُصاحبة لما توصلنا إليه، نجعل للدين والمبادئ الاجتماعية والقيم أولوية وحسابًا ومكانًا، كل هذه أركان نستند إليها ونستخلص منها العبر، ليحتج بعضنا على بعض بها، العقل بحرٌ عميقٌ عليك أن تجيد الغوص إلى أعماقه ومعرفة مكامن ثرواته لتستخرج منها اللؤلؤ، أو اتركه ولا يكن همك وهدفك طحالبه فتعمى عيونك بوحله ويعفن فكرك، وتحتاج من يدلك على الطريق، لتخرج ولا أحد.
لو زينا عقولنا بحكمة وحلم وخُلق وتأنينا، لاتفقنا في الكثير وما اختلفنا إلا على القليل، ولنجونا من كوارث عظيمة ومواقف تمزقنا أو نُجرّم على فعلها، عندما سُئِل عاقل كان يَتمَهل لرد جواب مَن يسأله مع معرفته به: لماذا؟ قال: حتى لا تُظلم الحكمة، ونحن نرد قبل أن يكمل السائل، وربما أخطأنا جوابًا، رجل فارق زوجته عشرين سنة لطلب العلم، ولما عاد من سفره صادف الوقت ليلًا، دخل البيت رأى رجلًا نائمًا، شك فُحشًا في زوجته وهمّ بقتلها لكنه حكّم عقله ورجع إلى حلمه وعاند انفعاله، فترك الأمر إلى الصباح، حتى أخبرته أنه فارقها حاملًا وهذا ولده.
كم كان حكيمًا حليمًا في موقفه؟ وكم من أفعال منا وقعت خاطئة لتعجلنا؟ رجل عاد إلى بيته ورأى عند الباب كلبًا والدماء على وجهه، ظن أنه قتل طفله ودون تردد وفي ساعة غضب عارمة قتل الكلب ودخل البيت ليرى طفله سالمًا وإلى جانبه حية ذُبحت، الكلب مَن ذبحها وأنقذه، بعدها ماذا ينفع الندم؟ لو تمهل وحكّم عقله وملك أعصابه ولم تملكه ما فعل ما يندم عليه، وما أشبهنا به في أكثر تصرفاتنا.
لو اجتمعت عقولنا مع بعضها وعرفنا حقيقة ما لنا وما علينا، ما ينفعنا مما يضر بنا، لخرجنا بثمارٍ يانعةٍ ونال كل منا نصيبًا وزاد معارف كانت بعيدة عنه أو كان منها محرومًا وصحح المتشابه منها، ما خابت عقولٌ اشتركت لحل أمرٍ وإن علا، قرّب العقول تقترب القلوب، قد يكون هذا مطلبًا صعبًا، ولكن مع الإصرار والعزيمة تُذلل الصعاب.
المجتمع واحة خضراء مترامية الأطراف، مليئة بالكتٌاب والمثقفين والأكاديميين، بمهندسين وأطباء ومبدعين، وثلة من المفكرين، كلها عقول ناضجة راقية يجب أن تكون قريبة من بعضها، لتُستثمر، آن الأوان لجمعها، لنستوعب بها أحداثًا مرت علينا أو تمر أوهي قائمة، يمكننا حلها، ولا نتركها لجهل يعبث فيها وبها فتفرق جمعنا.



