أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

قصة قصيرة: ساعة زمن

أمل العوامي · القطيف اليومالخميس 14 مارس 2019، 8:11 ص
قصة قصيرة: ساعة زمن

رجعت الطفلة من المدرسة فرحة مسرورة وبيدها شهادة النجاح لم تكن هناك دوائر حمراء كما توجد لدى بعض زميلاتها، كانت تركض وهي تسابق الريح...

سوف تذهب للصف الخامس أووه إنه إنجاز كبير.. هكذا أشعرها والدها حين وعدها أنه سوف يأخذ لها ساعة
فتحت الباب وهي تهرول للداخل اصطدمت بوجود عدد من الأشخاص مجتمعين
لا يزال يغلب عليها جو النجاح والرغبة في زف البشرى؛ جعلها لا تعبأ بهم،
بصوت عال، لتُلفت الانتباه قالت انظروا لقد نجحت، فنهرتها والدتها...

شعرت بالخجل وخيبة الأمل بمصاحبة القلق تتسلل إلى نفسها؛ بصعوبة استوعب عقلها أن هناك خطبًا ما..
وأن الجو حزين وأن هناك أناس كبار من العائلة يتحدثون بحذر ويتناقشون مع والدتها فيما حدث وما يتبعه من مسؤوليات...

فيما بعد..
عرفت بعض التفاصيل.. كان والدها في عمله وقد خرج وقت الغداء، وكانت هناك سيارة قد أصابها خلل فمالت عن الطريق، وصدمته...

علمت أن الصدمة ليست شديدة لكنه وقع واصطدم راسه بحاجز فدخل في إغماءة، ثم فتح عينيه وهو شبه نائم لا يعي ما حوله دون ضرر آخر.....

قررت الشركة التي يعمل بها أن ترسله إلى مستشفى خارج المدينة ليُنظر في حالته...

تكفلت الشركة بجزء قليل من تكلفة العلاج وتم اقتطاع معظم مصاريف العلاج من راتبه...

كان لوالدها عمل شخصي آخر، انقطع كمورد رزق لهم تمامًا.

هكذا لم يعد والدها هناك ولم يشتر لها الساعة وتغير الوضع في المنزل بإيقاع سريع...

تم بيع السيارة وتأجير جزء من المنزل دون أن يغطي ذلك كافة التكاليف لنصف دزينة أطفال خاصة وقت بداية الدراسة وما أشبه، قام الأخ الأكبر بعمل بقالة صغيرة قرب باب المنزل خلال شهر رمضان المبارك، كما قام ببعض الأعمال اليدوية الطارئة وفد حفّزته غيرة الصبا لتقديم المساعدة كيفما تكون، غالباً يعمل بصمت
في تلك الأجواء المتحفظة
وقد صار فجأة كل شيء بحسبان!

لم يصلوا إلى درجة الحاجة مطلقًا...
ولكن الأم كانت بحاجة لدعم معنوي وإظهار مشاعر الود من المقربين لديها إذ أن الضغط المفاجئ والوحدة أرهقتها...
رغم أنها اعتادت أن تقوم بمعظم الأعمال وحدها فزوجها غالبًا يأتي فقط عطلة نهاية الأسبوع
لكنه على الأقل كان هناك، يتابع الأمور، كما معظم الأمهات في ظروفها
تعودت العطاء والعمل الدؤوب لترعى الأطفال خير رعاية دون عون من أحد وكان البيت قبلة الأحباب الذين لم يتعودوا أن يمدوا لها يد العون يومًا وربما لهذا لم يعرفوا كيف يفعلوا ذلك لها حين اقتضت الظروف أن يفعلوا...

أصبحت هناك سلسلة ممنوعات؛ فمثلًا عدم مشاهدة التليفزيون إلا في ساعات محدودة، حرصًا على فاتورة الكهرباء...

ذات مرة، جلست وأختها تشاهدان فيلمًا هنديًا مؤثرًا:
(فقد ضاع الأخ والأخت بعد أن اضطرتهما الظروف لأن يصعدا للسفينة التي غرقت وتم إنقاد الركاب لكنهما افترقا ثم التقيا بعد عشر سنين في آخر الفيلم)
من هناك؟...
الحمد لله تم اكتشاف أمرهما نهاية الفيلم، هذا جعلهما يحتملان مرارة التقريع.
أتى يوم آخر، كانت السفرة عامرة والصحون في المغسلة أكثر عماراً، ذهبت السكرة وبقيت تلك الصحون والماء والصابون..
وقفت تغسلهم فانطفأت الكهرباء، وكان المكان يغلب عليه الظلام تخيلت أن حشرة هناك، صارت تغسلهم ودموعها تنساب خوفًا من أن تلمسها، شعرت بالغيظ فجأة وبالظلم أيضًا...
أرادت أن تذهب بعيدًا كما في القصص مع أحد من أقاربها، لكنها سرعات ما أنهت عملها وتلاشت الأفكار الضبابية.

الخلاصة رغم صعوبة الظرف
إلا أنه خلق جوًا حميمًا في المنزل.
كانت تسمع صوت بكاء
صادر من غرفة الاستقبال حيث اعتادت أمها أن تدعو الله أن يفرّج عن أبيها وتبكي على وضعه، إنها ساعة الغروب، إنها ساعة استجابة
صار هذا الدعاء الخالص لله ضمن الشعائر اليومية قبل أذان المغرب، الذي لم تنسه أبداً، بكاء ودعاء لكنها لم تر أمها تبكي!
فقط تسمع صوت بكائها الخافت... وكأنه تسبيح
يضفي على ساعة الغروب مزيدًا من الهيبة...

بعد الصلاة يرجع نظام البيت كما هو ولا تلبث الأم أن تنهمك في دوامة العمل اليومي الرتيب.
بعد الفطور، جلست مع أخيها تحسب معه الريالات القليلة التي ربحها تحت ظل سماء رمضان المبارك...
أعطاها بسكويتًا كويتيًا لذيذًا كمكافأة للمساعدة كعادته بعد إغلاق متجره الصغير جداً...

فجأة قال لها:
سوف أبيع ساعتي فلست بحاجة إليها...
تذكرت الساعة التي كانت تنتظرها السنة الماضية
نظرت لأخيها الذي لم يتعد سن الثانية عشرة وهو يشعر بمسؤولية البيت، شعرت بالنخوة والحنان والرغبة أن تقدم بعض المساعدة لكنها سرعان ما تنسى الهموم وتتركها لهم...

أخذت كتيبًا يحوي بعض الشعر للمتنبي كان والدها يحب أن يقرأ منه بعض الأبيات المعروفة مثل:
إذا رأيت أنياب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم
لم تر الأسد ولم تخف منه ولم تفهم من بيت الشعر، إلا أن الأسد هو كائن مبتسم وسعيد جعلها ذلك تحب رؤية الأسد في حديقة الحيوان..
ذلك الملك الفخم وصوته الذي يقتحم الفضاء فجأة
رمت الكتاب حين أخبرتها والدتها أنها سوف تذهب مع أخيها وأختها لزيارة والدها
وكلفتها بالجلوس في البيت للمساعدة في رعاية الصغار مع إحدى قريباتهم..

لم تفهم الحكم الجائر بألا تتاح لها رؤية والدها!
لكنها انصاعت للأمر انصياعها للمسائل الأخرى
حين عادوا شعرت بأهميتهم
وشعرت أنها كان يجب أن تذهب أيضاً لتراه!
لكن ذهب العتب حين رأت على وجوههم بوادر الفرح، وهم يتحدثون:
"إن الطبيب طمأنهم وهناك بوادر للتحسن"...

عاد الوالد الكريم، وعاد الفرح والحبور، وتم استقباله في حفل عائلي كبير...

كيك وشوكولاتة وطيبات فجأة خرجت للوجود...
أين كانت تلك اللذائذ من قبل؟
كم كان ذلك اليوم جميلًا!

كأن الزمان عاد للوراء وهي تركض عائدة للمنزل، وقد غمرتها السعادة كليًا؛ حين أعطاها الساعة التي اشتراها لها يوم نجاحها.