وَبَرًّا بِوَالِدَتِي!

ربما تشعر بالحزن والأسى على نفسك عندما تقدّم واجب العزاء في فقد أحدهم لأمه أو لأبيه، فترى الألم والوجد يحفّ بالأبناء لحالة الفقد التي مرّوا بها ثم يستيقظ شعورك بالتقصير تجاه والديك، وقد يخالجك شعور الملوك لأنك تملك أمّا وأبا رحيمين وتكنّ لهما كل تقدير واحترام، أدّيت برّهما بلا توقيت معين، ولا بزمن مخصوص تنتظره لتقديم واجبات البر والإحسان.
عذرًا لمن يحتفل بعيد الأم، أمي لا تُقارن بهدية مغلفة بشكل أنيق، ولا بكيكة طبقة تعلوها طِباق، أمي أجمل من نجوم السماء، طعام أمي {أَزْكَىٰ طَعَامًا}، ظلال أمي الجنان.
إن تحدثت عن فضل أمي، سَـتُمطِر عيني تقصيرًا قَبلَ أن تصدح الكَلِمـات بعبارات الشكر والعرفان، وأبي له الفضل الكبير وله صور في ذاكرتي تشعُ رحمة وإحسانًا فلماذا لا يُحتفى به؟
مرورًا بالآيات الكريمة التي تحدّثت عن الإحسان والبرّ بالوالدين نرى الاقتران واضحًا بذكرهما معًا، يقول المولى عزّ وجل: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (سورة لقمان: ١٤).
ويقول في موضع آخر: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاه..} (سورة الأحقاف: ١٥).
وإن انفردت الأم بتكريم خاص، فهذا يعود لتكبدها آلام الحمل والولادة، يقول الله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} (سورة الزمر: ٦).
فإذا كان الأب والأم وصية الله تعالى لنا ومحال لطفه وعنايته فكيف نخصّهما بيوم واحد في كل عام؟ والأمر المؤلم أيضًا هي الحيرة في اختيار هدية مناسبة، بينما يكون الاختيار واضحًا جليًا في شراء هدية للزوج والزوجة أو الصديق المقرب.
نحن لا نتقن اختيار هدية مناسبة لوالدينا لأننا بعيدين عنهما ولا نعرف ما ينقصهما ولا نُلم باحتياجاتهما، لا تنتظر هذا اليوم لتقديم ما عندك بل اجعل حياتك بقرب أقدامهما اجلس معهما جلسة مطوّلة حتى تلتمس رضاهما وتدرك حاجتهما، فتسارع لسد تلك الحاجة وتكون بذلك وضعت حياة جديدة لك ملؤها السعادة والتوفيق لأن فاقد البر لا يشعر بالسعادة وأن توفرت سُبلها الشتّى.
قد نتيقن جيدًا أن الآباء والأمهات لا يستطيعون إيذاء أولادهم، إلا أن غضبهم كفيل بأن يسلب الأبناء كل الخير وإن كان ظاهرهم الراحة، وقد يتحول غضبهم منهم إلى وَبالٍ يحصدون تبعاته في الدنيا والآخرة.
اللهم ارزق أمي وأبي سعادة عميقة تُخفي أحزانهما وتُزيل أوجاعهما، اللهم تيسيرًا لكل أمانيهما المتروكة في عِلم غيبك.
وجزا الله والدتي كل خير لتحملها العناء والمشقة في حملي وولادتي وتربية أولادي معي، رزقني الله برّها والجلوس تحت قدميها ليوم مماتي، فالشقاء الحقيقي هو الابتعاد عن جناحهما، قال تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} (سورة مريم: ٣٢).



