الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حين تتوقع.. ماذا يحدث؟

فاطمة البدن · القطيف اليومالثلاثاء 2 أبريل 2019، 11:51 ص
حين تتوقع.. ماذا يحدث؟

منذ سنين قرأت مقالة في إحدى الجرائد الورقية بعنوان "مصيدة التوقعات" وأعجبتني جدًا يومها فقمت بقصها للاحتفاظ بها لأنني فعلًا كنت أقع بتلك المصيدة وكانت تمثل واقعًا نراه ونشعر به، ولكن لم يشفع لي الاحتفاظ بها حينها في الاعتبار وعدم الوقوع مستقبلًا لأنني مازلت للأسف لليوم أقع في شراكها.

فحين يكون سقف توقعاتنا عاليًا في أحد فلابد أن نتوقع السقوط الموجع جزاء علو أفق التوقع فوق الواقع الفعلي، بخلاف التوقع من رب الأرباب الذي يهمس لنا أبي الحسن الرضا (عليه السلام) عنه ويقول: أحسن الظن بالله فإن الله (عز وجل) يقول: «أنا عند ظن عبدي المؤمن بي، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر».

تُزعجنا التوقعات التي نأمل فيها شيئًا بسيطًا ومتوقعًا بالعادة في أغلب الحالات المشابهة ولكن حين يأتي العكس نتوقف قليلًا لنستوعب أننا وقعنا في المصيدة.

ربما الشيء السائد الذي قد يمر على الكثيرين هو عدم تقديم الشكر، لا بل فوق ذلك يتم تقديم العتاب واللوم واستعراض السلبيات بدلًا من النظر لضياء الإيجابيات.

فقد يعمل أحدهم عملًا يضع جهده وماله ووقته فيه ليكون خدمة لأحد من الأشخاص أو لمجموعة منهم، ليتفاجأ بصفعة لوم وعتاب لأنه لم يناسب ذوقهم في بعض النقاط البسيطة تاركين العمل وأثره بجملته ليركزوا على الكأس الفارغة منه، وتكون صفعته قد أتت بعدما وضع توقعًا بتصفيق حار لعمله وشكر كبير قد يصل مع علو سقف توقعه للحصول على شهادة شكر تسبقها درع تكريمية!

أو قد تتوقع إحداهن من زوجها أن يغرقها بكلمات الثناء لترتيب المنزل وعمل العشاء الفاخر الذي قضت فيه وقتًا طويلًا لإعداده أو لأنها قامت بتغيير مظهرها أو تسريحتها لتتفاجأ أنه لم يلاحظ أي شيء من ذلك، لتبقى قابعة في صدمة الوقوع في مصيدة التوقعات، التي لا يقع اللوم فيها على من نتوقع منهم أحد الأمور، لكن اللوم لأنفسنا لأننا نرسم الكثير في مخيلتنا وتخيب ظنونا بنهاية المطاف ونشعر بالغبن لو حصلنا على أقل منه.

فالكثير لا يعلم بألوان اللوحة التي نرسمها عنهم والتي قد زيّنّاها بتوقعات عالية ربما كانت أكبر مما يملكون، وليس ذنبهم أننا أعطيناهم لونًا أخضر وهم كانو لا يملكون إلا اللون الأصفر في جيب عطائهم.

فقط نحتاج ألا نُفرط في الخيال لأن الخيال يُفضي للسراب أحيانًا، فنحن في زمن تفشل فيه التوقعات، لأننا نرى كل يوم أخبارًا تؤكد أن ما يحدث هو غير المتوقع، فقد تتنازل الأم عن أمومتها لأتفه الأسباب الكمالية، وقد يطعن الأخ أخيه لأسباب مالية، وقد يميل عن دينه من كان بالأمس ملتزمًا، وقد يغدر المعمم بخيانة عمامته وغيرها.

ويبقى أن نُأكد أن صفقة التوقع مع البشر خاسرة بعض الأحيان، لكن صفقة التوقع مع رب الأكوان صفقة رابحة في كل الأحيان.

إحدى معلماتي كانت تقول لنا بما معناه؛ إذا أردتم الطلب من أحدهم شيئًا فاطلبوه من الله ووكلوه أمره حتى لو كان بسيطًا ثم اطلبو من الشخص الذي تريدون منه عمله فإذا عمله فهو من توفيق الله، وإن لم يعمله فإن الله شاء ألا يكون لحكمة أو يكون في غيره، فتعليق الأمور كلها لله يجنّبنا ألم الوقوع بالكثير من المصيدات لأن أمر الله في المؤمن كله لصالحه.

لكن بعض المصيدات بالتوقع تكون مؤلمة جدًا كمن يتوقع فرحة من بشارة لقاء عزيزه أو حبيبه الذي أخبره أنه سيخرج أخيرًا من السجن بعد طول انتظار وسنين كثيرة قضاها معذبًا فيه، ليرتدي له أحلى الملابس ويهيئ ورود استقباله، لا بل يزيّن الدور لتحظى بنور مبسمه، ليتفاجأ بعدها أن فحوى بشارة الفرج هي الموت والراحة فيه، وأنه سيلقى جنازة محبوبه مقيدة بقيده ومرمية في المكان الذي كان قد وعده بأنه سيلقاه فيه بجسر الرصافة ببغداد.