الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

غربة الروح

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالخميس 11 أبريل 2019، 7:12 م
غربة الروح

ورد في دعاء الإمام السجاد (ع): "يا أنسَ كلِّ مُستَوحِشٍ غريبٍ" (الصحيفة السجادية ص 99).

أي شعور مؤلم تضمه جوانح المذنب العاصي وهو يطلب ضياء الرجوع إلى الله تعالى واستشعار حنانه ورأفته، لقد استنارت بصيرته فاستوحشت من عالم الخطايا واستحصال النزوات بلا حدود، خادعته نفسه يومًا واستمع لتسويلات الشيطان فقارف المحرمات وقد عميت عيناه حينها عن رقابة الله تعالى له في كل أحواله، ففي دنيا قد تزيّنت بكافة أشكال المغريات التي تعد محطات ابتلاء وامتحان لدين وقيم الإنسان، والمؤمن الفطن وإن وقع في وحل المعصية فنور إيمانه وضميره الحي يؤنّبه ويدعوه للخروج من ديجور السيئات، فيتوجّه لربه بتوبة خالصة يعلن فيها توبته وإقلاعه عن ذنبه وهجران العوامل المؤدية إليه، ويطلق لسانه في ساحة المناجاة والشكوى من سوء الحال والأنين من ألم المعصية راجيًا البرء وطهارة النفس من دنس المخالفة، ففي ساعة تأمل ومحاسبة يستشعر ما سيؤول إليه مصيره يوم يفد العباد إلى محكمة العدل الإلهي فينالون جزاءهم.

وإما أن همته العالية واستئناسه بأجواء الذكر الروحانية قد افتقده فأحس بغربة النفس، لقد حطته المعاصي إلى سافل المكان مما لا يلائم غاية وطموح كل نبيل كريم، فكيف له أن يقابل عطايا الخالق التي لا تعد بهذه الصورة السيئة من النكران؟!

المصدر الحقيقي لأمان المؤمن وأنسه هو استشعار المعية الإلهية له في كل حركاته وسكناته، فيثق بتدبير ربه وتصريف أحواله أنى اتجهت، فيورثه ذلك الطمأنينة والهدوء النفسي حتى في أحلك الظروف وأقساها، فما له وللخوف والقلق على رزقه أو نصيبه من كل شيء وقد استظل برحمة الرب الجليل وتحنانه، وإن داهمته الدنيا بشيء من الهموم فإن في بث شكواه لربه تنفيسًا من كل غم، ويشحذ قواه بهذا الزاد الإيماني في ساحة مواجهة المغريات والصعاب، فيتبدد كل مصدر للضغوط والقلق والهواجس.

إن قيمة نفسه الثمينة عنده تستوجب عليه التحرك في إطار الحفاظ عليها من كل مصادر العطب والهلاك، ويمنع كل عامل يؤدي إلى انحطاط كرامته وعزته ويبوئه مواطن السخط الإلهي، واسترسال الشهوات وتفلت النفس الجامحة يشكل العامل الأكبر لهلاك النفس، فتصور المصير لكل ذنب نرتكبه يصيب أبداننا بالقشعريرة وتنتابنا نوبة الخوف من المصير الأليم، تتحرك النفس اليقظة لتطلق صرخة استغاثة عالية من كل سبيل يزلقنا إلى المخالفات وتعاطي السيئات بلا رقابة أو خشية النتائج المترتبة عليها، والخوف من الله تعالى عامل إيجابي يأخذ بالنفس إلى موقعية استشعار المسؤولية عن كل ما يصدر منا، ويبدد كل علائم الاستهتار والتعاطي العبثي مع مخالفة جبار الجبابرة، ها هو قد رجعت إليه روحه ونبضات قلبه عاودت حركتها لما تنفس عبق العودة إلى ربه.

ولوعة الروح يترجمها بسكب الدموع خوفًا مما يلاقيه من خالف المولى الجليل وأصر وعكف على الآثام، إذ تفزع النفس التي استوحشت من قذارة الذنوب إلى ضياء التوبة، فالوحشة لا تكون بفراق الأحبة والأهل فقط بل أجلى مصاديقها هي غربة الروح في ظلمات الذنوب، ونستوحش طريق الخسارات المتتالية في ساحة المواجهة مع المغريات وسبل المحرمات، وتؤرّقنا حالة الاستسلام وضعف الإرادة في عالم المعصية حتى تجرأنا على التكرار والاستمرار، ويحذونا الأمل بالخروج من شرنقة الغربة والوحشة فننعم بضياء طهارة النفس وتخلصها من ربقة تلك القاذورات، وعند مراقبة النفس والجوارح وإبداء الامتعاض والنفور من وحل المعاصي، تبدأ النفس بالشعور بالأنس وزوال الإحساس بالغربة الناجمة عن المعاصي.