أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

في القطيف.. صراع في حلبة النقّاد والكتّاب يثيره وصف آل عمار

جمال الناصر · القطيف اليومالسبت 27 أبريل 2019، 4:28 م
في القطيف.. صراع في حلبة النقّاد والكتّاب يثيره وصف آل عمار

تتسع الشرفة حينًا، وتضيق أحيانًا كثر في المعترك الثقافي، ويأتي النقد، ليشكل هاجسًا بين القبول والرفض، ما بين اتساع أفق التواصل لرواد اليراع، وترحيبهم بالنقد، وانزعاج البعض، سخطهم على النقد، وعدم تقبلهم له، واستشعارهم ذاتيًا وثقافيًا أن النقد يمثل الاهتمام بالسلبية، أكثر منه بالإيجابية، رفضًا قد يكون لطريقة العملية النقدية، أسلوبها، وضيق أفقها، وهشاشة المعرفة، وسطحية الثقافة النقدية، التي يتبناها الناقد، وغياب التخصص كذلك.

ثمة عوامل كثيرة جدًا، لنفور الوسط الثقافي من النقد، هذا بالمجمل في الأوساط الثقافية، ومن ضمنها القطيف، التي تزدهر بالكتّاب والمثقفين، والأدباء والشعراء، والفنانين والفوتوغرافيين،..، وهنا سؤال يفرض ذاته، مفاده: هل هذا النفور، وعدم التقبل سببه ذاتية صاحب اليراع وفكره وبيئته؟ أم كل اللوم يأتي على اضمحلال الثقافة النقدية، لدى الناقد أو ما يستطاع تسميته مجازًا صاحب الرأي المضاد؟

أبدى الشاعر حسين آل عمار رأيه حول النقد الأدبي في القطيف بوصفه أنه متراجع؛ الأمر الذي جعل الناقد الأدبي محمد الحميدي ينشر استفهامًا في أحد مواقع التواصل الاجتماعي: هل تلاحظون أن النقد في القطيف متراجع؟ وهل هو موجود أساسًا؟!

النقد مراهقة تمشي على مهل
واستفز تساؤل -الحميدي-، الكاتب، والناقد المسرحي عباس الحايك، الذي أجاب بطريقة التأويل المسرحي -الدرامي قائلًا: إن المشكلة في وجود حرب ضمنية بين الناقد والممارس، بسبب ممارسات نقدية خاطئة، تركز على السلبي، ولا تحتفي بالإيجابي، لهذا قد نقول بأن النقد ليس متراجعًا بقدر كونه شبه غائب في منطقتنا، ومنفتحًا بملء شراعه في المناطق الأخرى على المستوى العربي.

وأكد أنه لن يقبل أي ممارس نقدًا إلا إذا غلب عليه الجانب الإيجابي، وزاد من شوكولاتة المدح وجرعته، وقال: "إن الأغلب يدّعي الانفتاح وقبول النقد، بينما نظل في أنفسنا غير قادرين على قبوله".

وذكر الكاتب والناقد الأدبي، محمد الحميدي أن النقد ليس شيئًا محددًا، تحديدًا دقيقًا للغاية، أو متفقًا عليه ثقافيًا، مشيرًا إلى أنه يحتضن ألوانًا متعددة، وأشكالاً مقبولة ومرفوضة، مؤكدًا أنه توجد بعض الأعمال النقدية، ولكنها لا تصل إلى حراك نقدي عميق في دراسة المنجز، أما بالنسبة للنقد اللفظي غير المكتوب، فإنه موجود، وإن لم يتم احتسابه، فهو مشكلة.

وبيّن أن النقد الأولي، يأتي في (بادي الرأي) - كما يُسمى فلسفيًا -، الذي يتعلق بالانطباع الأول، أي ما يُخلّفه النص على المرء، وقال: هذا النوع، نبصره كثيرًا وهو منتشرٌ، كالهشيم، موضحًا أن الفائدة منه قليلة، سعيًا وراء التحفيز، ومواصلة الكتابة.

وأشار إلى أن البروز الشعري الملفت للمنطقة، يعتبر أحد أسبابه وجود النقد أو شبه النقد على الأقل، وهو كثير، وغالبًا ما يكون انطباعيًا، مبينًا أنه لا يشترط ممارسة الفن من أجل نقده، والشرط، هو امتلاك الأدوات، التي تتيح اكتشاف مواطن القوة والضعف، وهذه تتعلق بالفلسفة أكثر.

وشدد على المشتغل بالنقد، امتلاك الأدوات، وقدرته على مقاربة النص بالغوص فيه، واستخراج الكنوز من داخله، مختزلاً السؤال الكبير - بحسب قوله - هل يقبل الشعراء أن يكون إنتاجهم على الطاولة ويأتي من يعمل على تشريحه؟ مجيبًا: لا أظن البعض سيوافق.

وأضاف الحايك أن النقد الانطباعي التأثري، وهو نقد يقوم على وصف الانطباعات والأحاسيس التي تتركها قراءة النص الأدبي في نفس الناقد، بدلاً من تفسير النص الأدبي في ضوء نظريات علمية، والحكم عليه وفق قواعد معينة، و-التأثرية- قديمة جدًا قدم الإنسان؛ لأنها فطرية حيث رأينا النقد أول ما نشأ انطباعيًا أو تأثريًا؛ ليعرب الإنسان عن ارتياحه الخاص أو سخطه لما يسمع من شعر أو نثر.

وبيّن الدكتور والشاعر محمد حيان أن النقد الذاتي سلوك فطري نمارسه منذ استيقاظنا باختيار ملابس العمل المناسبة للحالة المزاجية في ذلك الصباح، امتداداً لاختيار العطر الذي ننام في أجوائه مساء، ملفتًا إلى أن نقد الآخر، حالة نمارسها يوميًا في نقاشنا الروتيني والعلمي والأدبي.

وقال: إن نقد الآخر إما أن يكون نموذجيًا بإعداد دراسة محكمة أو غير نموذجي، وهو ما نمارسه بشكل آلي دون الاستغراق في اختبار صحة الأفكار، بل يكون مبنيًا على الانطباع المتولّد من الأيديولوجيا، وتندرج ضمنه الانطباعات والنقاشات والتعليقات، التي نخوضها في المجالس بعد الاستماع لخطيب أو شاعر أو مشاهدة فيلم أو مسرحية أو أي عمل ثقافي آخر.

الناقد ليس ممارسًا بالضرورة
وتساءل الشاعر السيد مصطفى الخضراوي، وقال: ومن يضع القوانين لذلك؟ إن بعض الممارسين للنقد يفتقرون لما يتم نقده، مثلاً؛ هل يجب على الناقد أن يكون شاعرًا لكي ينتقد الشعر؟ أو يكون رسامًا لينتقد اللوحات؟ وعليه إذا كان النقد من أجل المصلحة العامة وتنقيح المنتَج، ليكون في أبهى حلة، فمن يكون الناقد؟

وأجاب الحايك بقوله: "إن مسألة المطالبة من الناقد أن يُمارس الفن، الذي ينتقده، خطأ والتباس واضح من قبل الممارسين، مبينًا أنها مطالبة في مضمونها رفض لما يُقدمه هذا الناقد من مقاربة نقدية".

وأكد أن النقد مسار مختلف عن الممارسة، فأفضل نقاد السينما لم يخرجوا فيلمًا، وليس بالضرورة أن ناقد القصيدة، وناقد الرواية، يكتب شعرًا أو رواية، بالنتيجة، هو يمتلك أدوات نقدية، يمارسها على منجز.

وقال: "المشكلة أن هناك حربًا ضمنية بين الناقد والممارس، بسبب ممارسات نقدية خاطئة، تركز على السلبي، ولا تحتفي بالإيجابي".

وتابع: "لن يقبل أي ممارس نقدًا إلا إذا غلب عليه الجانب الإيجابي، وزاد من شوكولاتة المدح وجرعته، إن الأغلب يدعي الانفتاح وقبول النقد، بينما يظل في أنفسنا عدم قبوله".

وعلق الحميدي بأنه أكاديميًا يدرس الناقد الأدوات، وطرق النقد، ولكن طبيعة الممارس، ينتظر التصفيق والاحتفاء، ولا ينتظر من يوجه المجهر على مشكلات عمله؛ لأن الأغلب يظن أن يراعه وصل لمرحلة الكمال.

الألوان النقدية
وأوضح الحميدي أن النقد، الذي يأتي رأيًا وانطباعًا، يمكن التمثيل له بالكلمات: "أحسنت"، و"لا فض فوك"، و"بارك الله فيك"، أو في عبارات، كـ"أعد أعد" حال إلقاء الشاعر قصيدته، والعرب عرفوا هذا النوع جيدًا.

وأشار إلى أن العرب عرفوا النقد الذاتي، الذي كان الشاعر يترك قصيدته حولاً كاملاً لدراستها واكتشاف أخطائها، ومن ثم تعديلها قبل إرسالها في السوق الثقافية، ونشرها بين الناس، ويسمى هؤلاء الشعراء أصحاب الحوليات، كزهير بن أبي سلمى.

وأضاف أننا في عصرنا لدينا أيضًا نوع من هذا، يتمثل في المراجعة المستمرة، والتعديل على المكتوب في الطبعات اللاحقة، حيث نجد عبارة طبعة مزيدة منقحة، التي تدل على ممارسة هذا النوع من النقد.

وقال: "قد يأتي النقد من طرف آخر، ويشير إلى ما تحويه الأعمال من مخالفات، وما وصلت إليه من استنتاجات لا تتطابق مع الواقع، وقد عرفه العرب قديمًا وحديثًا.

ولفت إلى أنه في القديم وردت كتب كـ"تهافت الفلاسفة"، و"تهافت التهافت" لابن رشد، والغزالي على الترتيب، وحديثًا "نقد العقل العربي"، و"نقد نقد العقل العربي" للجابري والطرابيشي على الترتيب.

وأردف قائلًا: "المناهج النقدية، التي ظهرت منذ القديم ولا يزال بعضها يستخدم إلى اليوم، كمنهج البلاغة، كما هو في الموازنة للآمدي أو دلائل الإعجاز للجرجاني، وحديثًا كما في الدراسة، التي أعدها الربح في شعر السيد مصطفى جمال الدين، ويمكن إدراج تكوين البلاغة للشيخ علي الفرج في هذا الجانب رغم غلبة النظريات عليه، وعدم اختصاصه بشخصية محددة.

وقال: لدينا كذلك النقد الفكري الموجه لبعض الكتابات، وهو متعلق بالصحة والخطأ، وقد مارسه العرب قديمًا وحديثًا، من القديم لدينا بعض الكتابات، التي تتحدث عن كيفية اختيار اللفظ ككتب الفروق اللغوية كما هو لدى أبي هلال العسكري أو ابن جنّي في الخصائص.

وأشار إلى أنه مع تأثرنا بالفكر الغربي، وردت علينا الكثير من النظريات والمناهج بعضها أيديولوجي مختص بعلم الأفكار، وتوجيهه ككتابات إدوارد سعيد، وبعضها مختص بالبناء النصي، وهو ما مارسته البنيوية، واستثمرته بعدها التفكيكية.

وقال: يمكن التمثيل هنا بكتاب الخطيئة، والتكفير للغذامي، ومنها المختص باللسان، كما رآه سوسير في دروس اللسانيات، وطبقه مجموعة من الباحثين العرب كصلاح فضل في النظرية البنائية، ومنها ما اختص بالأسس الفكرية والمناحي الفلسفية للحداثة، وجاء بمسمى النقد التاريخي، أو التاريخانية الجديدة، واستمر إلى أن وصلنا إلى نقد الحداثة، أو نقد ما بعد الحداثة، وفيها مراجعة الأسس النظرية، التي قامت عليها الحداثة الحالية.

في حين بيّن الشاعر سعيد المقيلي أن الناقد البصير الواعي، هو من يمتلك أدوات النقد ولديه المقدرة بالإحاطة بالنص ويحمل بين جنبيه ذائقة أدبية تجعله ينظر للجانب المضيء منه قبل جانبه المظلم، ويحاول أن يشعل فيه شمعة كي يستضيء بها صاحب النص، محذرًا من الشخصنة والتجريح اللتين ليستا من ميزات الناقد، إنما من صفات الضباع.

وطالب الشاعر إبراهيم الزين، الناقد بأن يكون حياديًا، ويتبع فيما ينتجه التعامل مع النص، بعيدًا عن الشخصنة، أو إسقاط علاقة الناقد مع صاحب النص؛ لينعكس على ما يدلي به.

نقد النقد
وأبان الحايك أن ما يسمى نقد النقد، يعد بحثًا معرفيًا موضوعه النقد الأدبي، ويتقاطع في مباحثه مع جملة من السياقات المتصلة بالبحث في ميدان الإبداع بصورة عامة، مثل النظرية والتنظير النقدي.

وأضاف أن نقد النقد، يدور حول مراجعة "القول النقدي" ذاته، وفحصه، ومراجعة مصطلحاته النقدية، وبنيته المنطقية، ومبادئه الأساسية، وفرضياته التفسيرية وأدواته الإجرائية.

واتفق الحميدي، مع نقد النقد، مرجعًا إياه إلى تأثرنا بالفكر الغربي، حيث وردت الكثير من النظريات والمناهج، بعضها أيديولوجي مختص بعلم الأفكار، وتوجيهه ككتابات إدوارد سعيد، وبعضها مختص بالبناء النصي، وهو ما مارسته البنيوية، واستثمرته بعدها التفكيكية، ليؤثر في الثقافة النقدية عربيًا.

واتفق الكاتب والشاعر السيد موسى الخضراوي على أن النقد فن أدبي بذاته، يحمل كل فنون اللغة، ملفتًا إلى أن ذلك لا يعني ألا نتعلم من بعضنا بعض أبجدياته وجداوله ولو بنسب معينة، مؤكدًا أنه من خلال الحوار الهادف والنقد العلمي ترتقي العلوم والمعارف شيئًا فشيء، لتصبح فكرًا نقديًا فيما بعد.

وقال: "هناك الكثير ممن استفادوا ثقافيًا من خلال هذه التجارب، لتأتي دروسًا عملية".

وذكر السيد علوي الخضراوي أن نقد النقد يؤدي إلى زيادة المعرفة؛ مما يصنع تحوّلًا كبيرًا في الفكرة المطروحة المتعلقة بالمادة المنتقدة تحت مظلة الشروط والأدوات.

وشدد على أن الناقد لابد أن يمتلك فنون هذه الأدوات مع استخداماتها لكي لا تتحول الفكرة أو المادة أو المنتج إلى تهميش معرفي أو يكون الأثر سلبيًا بدلاً من أن يكون إيجابيًا، وقال: "وهذا هو التحوّل المعرفي في نظرية نقد النقد الأدبية، وبلا شك، عندما تحول الفكرة أو المنتج من مستوى منخفض الأداء إلى مستوى أرقى من خلال النقد، هنا نقول: إن النقد إيجابي وخلاف ذلك يعد نقدًا سلبيًا لا يصب في المنفعة العامة، سوى فرض كلمات لغوية وأفكار تنهش من لحم الفكرة وتذيب المنتج وتحرق المادة".

بلدات:القطيف