من «حنظلة القرن الواحد والعشرين» بالقديح.. العلوي: الفن محفز للمعرفة

من الوهلة الأولى قد تعتقده مجرد تمثال عادي لا يحمل حتى ملامح ذاتية أو شخصية، ولكن عندما تتأمل تفاصيله ستنتابك الكثير من التساؤلات؛ فحذائه المهترئ يوحي بفقره المدقع، كما أنه شخص مثقف فهو يضع في جيبه جريدة ورقية، ويمسك بكتاب يحاول أن يخفيه عن الأنظار خلف ظهره، وعلى صدره يعلق أيقونته؛ "خارطة فلسطين"، وينظر بشموخ للأعلى منتظرًا أن يطل أمل من الأفق البعيد.
إنه تمثال حنظلة القرن الواحد والعشرين كما أطلق عليه صاحبه الفنان والنحات والشاعر هاشم العلوي الذي أراد من خلاله إثبات أن الفن من أجمل محفزات المعرفة، وبينهما علاقة عضوية متلازمة الأفق.
وقال العلوي: "إن المنحوتة، تفعل فعل علامات الاستفهام في عمقها، وظاهرها، لتبرز الفن كغيمة زرقاء".
وبيّن أن ثمة علاقة عضوية متلازمة بين الفن والعلم، لا يمكن الانفكاك عنها، كما لا يستغني أحدهما عن الآخر، مشيرًا إلى أنه كما لا يوجد فن دون علم ومعرفة، فكذلك لا يوجد علم دون فن، وقال: "إن الميكانيكي المبدع أو الفيلسوف المجدد أو أي مشتغل بالعلم، حين يسأل عن الدافع الذي حثه على التطوير في مجاله العلمي، سيحدثك بنفس لغة الفنان، حين يسأل عن الدافع وراء منجزه الفني".
وأوضح أن الروح الإبداعية عند الفنان والعالم مصدرها واحد، وإن اختلف مظهرها بين أن تكون نوتات موسيقية مكتوبة أو قصيدة شعرية أو نظرية في علم فيزياء الكم.
ونوه إلى أن هناك علاقة بين الفن والنمو المعرفي؛ فالفن الحقيقي حين يصبح حاجة طبيعية لدى البشر، سيكون من أجمل المحفزات على المعرفة.
وأكد أن الفن الحقيقي بذاته لا يعطي الإجابات الجاهزة، بل إنه يثير الأسئلة، التي لن يستطاع الإجابة عنها إلا بزيادة المعرفة، وسبر أغوار العلوم، لتصل إلى ذروة الانتشاء، الذي يصل إليه الفنان بعد إنجاز فنه، أو مكتشف النظرية العلمية، ليقال مثل ما قيل: "وجدتها، وجدتها".
وعن قوة المجتمع معرفيًا وحسه الفني، أوضح العلوي أنه بمقدار ما يمتلك المجتمع من قوة معرفية سيكون لديه حس فني، يوجد بالضرورة، ليفرض على الفنان أن يرتقي بفنه، لمصاف العقول المعرفية في المجتمع.
وأشار إلى أن التقسيمات التاريخية للفنون عادة ما يصحبها تفصيل للنظريات المعرفية والفلسفية، التي طغت على نفس تلك الفترة، لكي يمكننا أن نفهم القفزات الفنية، التي واكبت القفزات المعرفية.
وأردف قائلًا: "إن التقسيمات الفنية المعروفة من الطبيعية الكلاسيكية الفنية إلى السريالية، ثم ما بعدها، وإلى الحداثة، وما بعد الحداثة خير دليل على أنه كلما ارتقى مجتمع معرفيًا، كلما تطورت معه باقي الفنون، كنتيجة طبيعية".
وتطرق إلى استفادة الشركات والمؤسسات من الفنانين فيما يعنى بالدعاية، وأثر ذلك على إبداعية الفن، منوهًا إلى أنها تحتوي على صنفين؛ يسمي إحداها استغلال الفن في الدعاية والكسب المادي.
وذكر أنه يجب أن يكمن المعيار السلبي أو الإيجابي هنا في وعي المجتمع المستهدف، ومدى تقبله لذلك العمل، مبينًا أن الشركات في نهاية المطاف هدفها اقتصادي بالأساس - وهذا حقها -، ولكن مرة أخرى استغلالها للفن والفنانين، يأتي من خلال ضبطه بمدى وعي وتقبل هذا المجتمع لهذه الدعاية.
وأفاد بأن الوعي المقصود، هو المعرفة العميقة لمدى التأثير الجانبي لهذه الدعاية على الذائقة الفنية، وقال: "إن الشركات لا يهما في النهاية، وبعد أن تكسب الأرباح، ما إذا كان هذا التأثير قد أسهم في انحطاط الذوق العام، أم لا، بل النتيجة سيتحملها المجتمع".
وفي ختام حديثه، أوضح العلوي الفرق بين الفن، كدعاية وتأطير إعلامي، وكونه يمثّل حسًا عفويًا واعيًا لدى المجتمع، بأنه يحتضن ممارسة واعية عفوية، ملفتًا إلى أن الفرق بينهما كالفرق بين أن تفرض لغة نتحدث بها في الشارع، ونكره مفرداتها، وبين لغة نعشقها، ويفهمها صغارنا، حين نعود إلى المنزل.








