زيوت القلي.. استخدام أكثر يعني خطورة أكثر

إن استعمال فن العرض والإغراء لترويج أو تسويق سلعة تجارية أو استهلاكية من أجل الشراء، فن بحد ذاته يدل على ذكاء تجاري متوقد، لا يمكننا إغفاله أو الإنقاص من قيمته، وثمة فوائد حقيقية للتاجر الذي أنزلها للسوق.
شهدت أسواقنا أسعارًا تنافسية قوية، وسعى المستثمرون فيها إلى توسيع حجم نشاطهم، فتعددت الماركات وتنوعت الأصناف، ووظفت الشركات إمكاناتها وخبراتها التسويقية والتجارية والفنية والإعلامية البحتة من أجل تحسين طرائق الجلب والتشجيع والإثارة، ورسمت خططًا تسويقية وحملات دعائية وتجارية من أجل رفع كفاءة القوة الشرائية.
في خضم المنافسة الشديدة أصبحت أسواقنا تعج بالعروض المغرية والتنزيلات الهائلة حتى صارت أكثر من الهم على القلب، فزاد توجه الناس نحو هذه الأسواق.
وكثيرًا ما نتساءل عن كيفية اختيار سلعة ذات جودة عالية في غمرة العروض وإغراء التخفيضات وسيف الصلاحية؟!
صحيح أن ثمة فرقًا بين سعر وآخر، ولكن هل لدينا ما يثبت الجودة للأغلى دون الأرخص مثلًا أم هو أسلوب تجاري يستطيع التاجر المغالي أن يشعرنا به أن صنفه من النوع الممتاز؟ كلمات وشعارات براقة تمجد السلعة وتدفعنا لشرائها، فكيف لنا أن نثق بذلك!!
مند أيام كنت في أحد مراكز التسوق لشراء بعض الحاجيات، فلفت نظري تهافت عدد كبير من المترددين على المركز وتنافسهم للاستحواذ على سلعة ضمن قائمة السلع المخفضة، مردها السعر المغري وليس للحاجة الماسة لها، فجل السلع المعروضة في جل المراكز والمحلات التجارية تباع في أسواقنا تحت عنوان العروض والتنزيلات، فقد ترشدك إلى سلعة لم تكن بحاجتها لولا الإعلان.
من عادتي أن أنظر إلى السلعة واقرأ بياناتها على البطاقة التعريفية والمعلومات الهامة قبل شرائها.
تقدمت لأحدهم وقد وضع في سلة مشترياته ثماني عبوات من هذه السلعة "زيت قلي"، أثار دهشتي، قلت له: "هل تأكدت قبل استحواذك على هذا الكم من العبوات من نوعها وجودتها وفترة صلاحيتها؟"، قال: "ماذا يعني ذلك؟!".
أردت من هذه المقدمة الحديث عن مرئياتنا حيال هذه النوعيات من السلع الغذائية "زيوت القلي"؛ كيف تستخدم وأيها أفضل؟ وهل صحيح أن لها أضرار على الصحة عند تكرار القلي في الزيت نفسه؟
هذا ما سنجيب عنه في هذا المقال.
نحن نفتقد لكثير من المعارف الغذائية، والثقافة التسويقية، وفلسفة الإعلانات التجارية، والتي أصبحت سمة العروض في البيع والشراء، معارفنا اليوم المبسطة أدخلتنا في حيرة وقلق لكون أصحابها وضعوا الأرباح المادية فوق مصلحة المستهلك ورضاه استغلالًا لضعفه في المجالات التسويقية ومجال المعلومات التعريفية على بطاقة المادة الغذائية، واندفاعه أمام هكذا أساليب مغرية.
وقبل الخوض في هذا الجانب أطرح تساؤلات عدة: كيف نختار زيوت القلي؟ كيف نستخدمها دون أضرار صحية؟ ما هي مؤشرات الاستخدام الجائر؟
هناك ثلاثة أنواع من زيوت القلي تصنف حسب تحملها لدرجات الحرارة :
١- زيوت نباتية مهدرجة جزئيًا أو كليًا ذات الثبات الأقصى وهي نصف صلبة أو صلبة، وتتحمل ظروف القلي القاسية ولفترات طويلة، وتصنع من زيت فول الصويا وزيت بذرة القطن وغيرهما من الزيوت، وتستخدمها مطاعم شركات الامتياز والوجبات السريعة، تحت ضغط مرتفع لاختصار زمن الطبخ، ويتم استيرادها من خارج المملكة.
٢ - زيوت نباتية منتجة لأغراض القلي وهي زيوت سائلة وتستخدم في المطاعم والبوفيهات والمنازل على نطاق واسع، وتتحمل ظروف القلي نوعًا ما لكنها سريعة التدهور، مثل زيوت الذرة ودوار الشمس والصويا وأولين النخيل وبذرة القطن والفول السوداني وافضلها زيت الكتان.
٣- زيوت نباتية لا تتحمل حرارة، استعمال على البارد مثل زيت الزيتون.
وسينصب الحديث على الصنف الثاني من الزيوت، هو الذي يهمنا هنا لكثرة تداوله استعماله في المنازل والمطاعم والبوفيهات ومحلات المأكولات الشعبية لقلي الأطعمة.
ونحن نرى أكثر زيوت القلي استخدامًا وشيوعًا زيوت الذرة ودوار الشمس والصويا، ولكون مثل تلك الزيوت ليس لها جدوى اقتصادية في حالة استخدامها في المطاعم، تُستبدل بنوعيات أخرى مثل خليط الزيوت النباتية الرخيصة الثمن السريعة التدهور الحراري.
ولعل من أهم ما يقلقنا اليوم هو الاستخدام الجائر لزيوت القلي وعدم تغييره أو استبداله أو تجديده في الوقت المناسب، والدرجة الموصى بها لا تتجاوز (190 °م ) - بعدها يبدأ الزيت بالتفكك والانحلال وظهور نواتج متطايرة ونواتج غير متطايرة من جراء الأكسدة الحرارية، وتزداد لزوجة الزيت - وتتكون الرغاوي - ويتصاعد دخان مائل للزرقة - ويصبح لون الزيت غامقًا - وتكون رواسب عالقة، مع ظهور نكهة غير مستساغة نتيجة الأكسدة "تزرنخ".
تلك هي مؤشرات تدهور زيت القلي.
ومن هنا يبدأ تكون المركبات الحلقية نتيجة تحول المادة الدهنية إلى أحماض دهنية، وأخطرها مركب الاكريلاميد (Acrylamide ) - والذي له علاقة ببعض الأمراض المستعصية والسرطان والتسمم العصبي والمشاكل التناسلية.
وفي الغالب يتواجد هذا الملوث في الأغذية النشوية المقلية وبالأخص الوجبات الخفيفة كرقائق البطاطس والذرة، وقد ثبت أيضًا تواجد الاكريلاميد من خلال الفحص المخبري في مختبرات الهيئة العامة للغذاء والدواء في بعض أنواع القهوة السريعة التحضير وبنسب عالية تجاوزت الـ 900 جزء في البليون،
هذه هي النتيجة، مركبات مسرطنة نتيجة الاستخدام الجائر لزيت أو دهن القلي.
والتوصية المراد إيصالها لكم أعزائي هو حسن اختيار الزيت ذي الجودة العالية مع عدم تكرار استعماله لأكثر من مرة حتى لا نصل إلى درجة نقطة الانحلال والتفكك وتكون المركبات الملوثة الضارة بالصحة.
قدمت هذا لأقول: ليس كل ما يعرض في الأسواق من مواد غذائية هي بدرجة واحدة من الجودة، واختيار الجيد منها هو مؤشر لثقافتنا الغذائية.
من المهم قراءة مكونات المنتج قبل شرائه ليكون عونًا لك في التعرف على خصائص وسمات السلعة الجيدة، وبهذا نحقق رغباتنا ونحافظ على صحتنا، ونتجنب الوقوع في الغش والخداع.
على أنني بعد هذا يهمني جدًا أن أخرج بنتيجة مفادها أن التاجر أو الشركة المنتجة تتفنن في عرض السلعة باختيار المكان المناسب والوقت المناسب لعرضها، وتخفيض سعرها، وفي الغالب يلجأون إلى ذلك إما لقرب انتهاء فترة صلاحيتها أو لوجود كميات كبيرة مكدسة في مستودعاتهم.
إن التنافس بين أصحاب مراكز التسوق مسموح به لكون أسواقنا مفتوحة، ولكن لا يكون ذلك على حساب مصلحة المستهلك، فحمايته جزء من الأمن الغذائي مسؤولة عنه الجهات المعنية التي لها دور كبير وجهود مبذولة في حماية الناس من الأضرار والتسممات المحدقة.
على المراقبين الصحيين في الأمانة زيادة الحملات التفتيشية، وخصوصًا في أوقات خارج الدوام الرسمي لضبط التجاوزات الخاطئة والتأكد من صلاحية زيوت القلي، فحقيبة التفتيش المتنقلة كافية لكشف حالة زيت القلي أثناء عملية القلي ومعرفة مدى صلاحيته.
أريد أن أقول اليوم إن الذي يحكم إقبال الناس على سلعة معينة - للأسف الشديد - هو سعرها المخفض وليس جودتها - وهذا ما لمسته أثناء تواجدي في مركز التسوق - فعند عرض السلعة بسعر منخفض - رأينا الناس يقبلون على شرائها كالسيل المندفع دون التحقق من نوعها، وجودتها ولا حتى مكوناتها وفترة صلاحيتها، يتسابقون لأخذ أكبر عدد من العبوات دون النظر أو التفكير أو التعقل.
الواقع بعد قراءتي للبطاقة التعريفية للمنتج والتعرف على مكوناته، تأكدت أن هناك نوعًا من الغش والبيانات المضللة، فالزيت المعروض ما هو إلا خليط من زيوت نباتية ذات جودة منخفضة وليس زيت دوار الشمس الخالص الذي توحي به صورة البطاقة، وهذا يقلل من قيمته، كما أن المكونات كتبت بخط صغير جدًا يصعب قراءته، وهي محاولة من الجهة المنتجة لتسويقه كزيت دوار الشمس الخالص، والناس يقبلون على شرائه دون التحقق من نوعه وجودته.
ليس بتلك الصورة تصبح ثقافتنا الغذائية!!
منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات



