«نصائح التيه 4-1»

ذات صباح فتحت جهاز (جوالي) أتصفح رسائل (الواتس) المتراكمة، أقلب المبيت والمستجد، الخاص والعام، وبين تأمل وقراءات سريعة ومسح وإبقاء، لفتت انتباهي مقالة تكررت في أغلب (قروباتي)، قرأتها فضولًا، واستوقفني بعض سطورها، ثم عاجلتها حذفًا، ظل محتواها عالقًا في البال راسمًا علامات استفهام.
بين وقت وآخر يعاد نشرها بزيادة جملة أو نقصان، فأجبر نفسي على قراءتها مكرهًا كمن يغصبني على شرب فنجان قهوة مرة، أرتشف استقراء أسطر على مضض ولساني يتمطق حنظلًا من مسوخ الكلام، مقالة صغيرة حرّضتني كمدخل للهذر ارتدادًا، وللثرثرة نكوصًا، عنوانها (كن فطنًا)، تحوي عشر نقاط، ترشدنا نصحًا لأن نكون فطنين، وانطلاقًا من جاذبية العنوان، من منا لا يريد أن يكون فطنًا يقظًا لماحًا لبيبا بالإشارة يفهم واعيًا حاضر الذهن حسن التصرف في كل موقف ومشهد؟!
إن الفطنة لفظة مغرية يود المرء أن يتصف بها فعليًا لأطول مدة من سنين حياته، لكن هل تأتينا طواعية لمجرد قبول دعوات الناصحين أو الأخذ بما يسطرونه من تنبيهات وتوجيهات وتحذيرات؟ أم أن حياتنا بتعقيداتها وتقلباتها ومفاجآتها تبعدنا عن مقاربة هذا التمني؟
أن نكون فطنين بكل ما تحمله الكلمة من معنى، الأمر ليس سهلًا وفي نفس الوقت ليس مستحيلًا، وأظن أن المسألة تحتاج لبصيرة نافذة وتروٍ وإدراك واعٍ لشؤون الحياة وتأمل عميق للحالات الإنسانية في قوتها وضعفها، مع حضور ذهني دائم، لكن من منا يتأتى له كل ذلك وفي كل الأوقات، يقال: ما أسهل التنظير وما أصعب التطبيق، والحال يندرج على ديباجة النقاط العشر (كن فطنًا)، والتي تحيلنا لإنشائية خطاب الإذاعة المدرسية للمرحلة الابتدائية (كن نظيفًا، كن مجتهدًا، كن مطيعًا، كن خلوقًا)، أوامر صباحية تتوالى زفيرًا على مسامع الطلاب وتعاد كل يوم بتكرار رتيب دون إدراكهم للمعنى، يرددونها حفظًا ويتبادلونها تهكمًا.
هل نحن نماثلهم، باستحضار نزقنا الطفولي تجاه أوامر النصح بمراوغات مبطنة نتيجة مزاجنا المتقلب الذي يغض الطرف قصدًا عن أي نوايا حسنة لما وراء النصح، وأي نصح نريد؟ ما دمنا على عتبة الناصحين نقف حيارى، ناصح يأخذنا صعودًا وآخر ينزلنا عتبات. نصائح تلو النصائح آتية من كل حدب وصوب، تتناثر علينا خفافًا وثقالًا، متخمة بالغث والسمين، وما بين إغماضة عين وانتباهتها تهاجمنا نصائح جمة، ننام على وسادة نصائح، ونصحو على قرع أجراسها.
حزم نصائح تتشظى يمينًا وشمالًا، ومعها يختلط الحابل بالنابل، ونتوه بين توهان النصح ونصائح التيه، نصائح تجتر اجترارًا تستغيث من سوقها في كل شاردة وواردة، وأي دعوة مرتجاة بعد أن فقدت تأثيرها الفعلي.
لأن الكل أصبح دلالا للنصح والكل جاهز للتفوه نصحًا وكل يدّعي وصلًا بالنصح، هذا يقربك من دكان نصائحه بنفض الغبار عنها، وذاك يدلل على بضاعة نصائحه الكاسدة، وآخر يفصلها حسب الظرف والطلب، وصنف يحيكها بخيوط الدين ليشرعنها لبوسا بأنها الحق المبين، وآخر يعجنها بمزاجية الكره والبغض وبمنطق فض ومتطرف.
ونفر من المتشنجين لا تكف حناجرهم زعيقًا (مايكروفونيا) بغرغرة نصح متزمتة مهترئة، تنفث سمومًا تحريضية إقصائية بين بني الإنسان.
كم نحن حيارى أمام نصائح بازار هذا الزمان!



