آفاق الإخلاص في الصوم

ورد عن مولاتنا الزهراء (ع): "والصيام تثبيتا للإخلاص" (الاحتجاج ج1 ص 134).
يمسك الصائم عن المفطرات مع قدرته على تناولها خوفًا من الله تعالى، إذ أنه يستطيع أن يفعل ذلك متداريًا ومتواريًا عن أعين الآخرين ورقابتهم، ويكمل صومه أمامهم بالتظاهر والتمثيل ولكن الصوم علاقة خاصة بين العبد وربه، فيمارس مجاهدة شهواته وأهوائه في مسلك رقابة الله تعالى ودون وضع أي اعتبار في نفسه لمدح الغير والثناء عليه، وهذه النية الخالصة تفتح له آفاق التقوى وتجنّبه المحرمات لأنه يحيا الشعور بنظر الله تعالى له.
الصوم مدرسة تربوية للنفس الإنسانية تصقلها بتلك الفضائل التي يكتسبها من خلال هذه الدورة التدريبية، دورة ينتظم فيها ليسلك طريق الورع والخلق الحسن والمشاعر الوجدانية الفاعلة مع آلام الآخرين، ويتحرز في ساعات الصوم من تناول أي شيء من المفطرات، وتسمو روحه في ختام الدورة التدريبية متجنبة كل المحرمات والرذائل، ويراقب جوارحه قبل أن تقدم على أي كلمة أو تصرف.
والصوم يبني في روحية المؤمن حب الله تعالى والأنس بطاعته، يرجو رضوانه تعالى في كل عمل صالح يأتيه ولا يبتغي به وجاهة ومكانة بين الناس، وذلك أن الإمساك عن المفطرات لا يراقبه فيها طوال النهار أحد، ولو أراد المخالفة والإفطار بتناول إحداها خلسة دون انتباه الغير لكان سهلًا، فالصوم كالسر الذي يحمله بين جوانحه ويصونه ويحافظ عليه من الاجتراح والتلوث بأي قبيح يرتكبه فيفوت عليه ثمار الشهر الكريم.
ومن تلك الثمار المتحصلة من الصوم؛ العمل لوجه الله تعالى دون نظر إلى استغلال المسحة العبادية لتكوين مكانة له بين الناس ليحظى بثقتهم، وإنما هو إخلاص العمل الصالح من شائبة الرياء فيستوي عنده الأمران من اطلاع الناس وعدمه، بل يرى الأفضلية في الاستتار والتخفي بإتيان الصدقات والتهجد وتلاوة القرآن ونصيحة المذنب والمقصر لشعوره برقابة الله تعالى له وعلمه بحاله الظاهر والمستتر، فتنتظم كلماته وتصرفاته وفقًا لحقيقة استقرت في وجدانه ألا وهي رقابة الله تعالى له.
العمل الصالح المتقبل من الله تعالى أهم شروطه الخلوص من شائبة الرياء وطلب تسليط الأضواء على أفعال الخير التي يقدمها، فبعض الناس مصاب بداء المظاهر الخداعة والهالة القدسية التي يحيطها بأفعاله، فلا هم له سوى الارتقاء في أعين الناس وزرع محبوبيته وتميزه في قلوبهم، فيستغل كل شيء في حياته حتى عباداته وعطائه في سبيل التفاخر وتلميع صورته وسيرته أمام الناس.
وما ينزع من النفس مظاهر الرياء هو الصوم والذي يمسك فيه العبد عن المفطرات دون اطلاع عليه كما يحصل كثيرًا في الصوم المستحب، فينوي الصائم الكف عن الشهوات ويخوض غمار الاختبار الإلهي قاطعًا النظر عن صدى ذلك في نفوس الناس من حوله، ويمارس طاعاته وتلاوة كتاب الله (عز وجل) والتدبر في معانيه مما يكسبه ويمكن نفسه من ملكة التقوى.
والطريق إلى إخلاص العمل لله تعالى وتنقيته من شائبة النظر إلى ثناء ومديح الناس وطلب لهج الألسن بذكره هو النظر إلى البعد الأخروي، فلا اعتبار ولا قيمة ولا قبول إلا لما كانت وجهته القرب من الله تعالى وحده، فالطمع في شيء من حظوظ الدنيا ونيل المكانة الزائفة والتي تقوم على هدر عبادته ومعروفه باتجاه رياء الناس هو محق للعمل.
والنية الخالصة لله (عز وجل) في الصوم هي العزم على الإمساك عن الشهوات والرذائل، وتطهير نفسه من دنس الذنوب ونفي التقصير عنه بالهمة العالية، وتثبيت كتمان العمل الصالح بملازمة السر في إتيانه كما هو واضح في صلاة الليل والمناجاة وصدقة السر.



