أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

المقابلة.. انتهت..

بلقيس السادة · القطيف اليومالسبت 4 مايو 2019، 2:47 م
المقابلة.. انتهت..

"بريئة هي اختياراتنا في الطفولة لا تتعدى الحلويات وعدد الأصدقاء ونزهة الألعاب..
في المراهقة بين تكوين الشخصية وإثبات حضورها في الأذهان يكون الصراع مستمرًا..
في الحياة الاجتماعية والعملية تبرز لدينا المساحة الخضراء التي أوجدناها من انتصاراتنا وإحباطاتنا في الحياة"..

كتبت هذه الجمل ووضعت ورقتها وقلمها بجانب السرير.. وغطت في نومٍ عميق، كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف، قلائل انتبهت من صحوتها، ناظرت الساعة كانت الساعة الثالثة والنصف..

"ما أطول الوقت عندما تكون حياتك على المحك، تنتظر أمرًا مهم به سيُحدد مصيرك"..
شعرت أنها نامت دهرًا، بها قوة ونشاط، قامت أعدت لنفسها كوبًا من القهوة بالحليب دون سكر وقطعة من البسكوت معها..
مر شريط حياتها وهي ترتشف قهوتها وحيدة، وهدوء المنزل أضفى عليها نوعًا من الخوف، لكنها اعتادت منذ زمن الحياة وحيدة، إلا ما ندر من الزيارات المتقطعة للأهل، والأصدقاء..

لم تولد وفي فمها ملعقة من الذهب، كانت لأبوين مكافحين، حاولا قدر إمكانيتهما سعادتها وتلبية رغباتها الطفولية "بحكم أنها وحيدتهما"، وعندما كبرت فهمت معنى المستوى المادي والاجتماعي، وهذا ما حال بينها وبين من تاقتْ النفسُ إليه، عندما هدد والدهُ بحرمانه من الثروة إن أقبل على الزواج منها.. وقبِلَ هو دون صراع بين الأجيال، وأرادها درعًا بشرية للتمسكِ به أمام والدهِ، وعرفتْ ما يدور بفكره من خلال كلماتهِ، وأخيرًا خضعت للأمر الواقع هاربة بجلدها من نصف رجل!..

لكنها واصلت كفاحها معتمدة على ربها واجتهادها الأكاديمي بحصولها على درجة الماجستير بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف..

تحسنت أحوالهم المادية كثيرًا، وكانت دائمًا توعز نجاحها ووظيفتها وكل ما لديها من خير وتوفيق بفضلٍ من الله، وبركة دعاء والديها من السماء..

تقدم لخطبتها زميلها في العمل، كان ذا خلق وسيرة حسنة، لكن القدر لم يمهلهُ كثيرًا معها، بعد خمس سنوات توفاه الله بنوبة قلبية، دون أن تُرزق منه بطفل! وقد كانت مشيئة الله فوق الأُمنيات..

وفي خضم ألمها ووحدتها، وبعد مدة من الزمن، ظهر هشام من جديد! الشاب الذي رفض والده الاقتران بها، بحكم المستوى المادي والاجتماعي!..
ها هو أمامها أكثر قوة وجرأة، حين زارها في مقر عملها، يتحدث كثيرًٍا، يبرر انسحابهِ دون أي اعتذار، مدعيًا بابتسامة: "من الذكاء السير بمحاذاة السفينة، حتى لا نصطدم بها وتغرقنا، وعندها لا نطول بلح الشام ولا عنب اليمن"..

هالة: والآن ماذا تريد؟
هشام: نتزوج، فمازلتُ أحبكِ!
هالة: ألم تتزوج؟
هشام: نعم تزوجت وعندي طفلان!

عندها نهضت هالة من كرسيها وفتحتْ له باب المكتب قائلة: أستاذ هشام انتهت المقابلة!
تفاجأ هشام من ردة فعلها، حاول أن يفهم منها سبب الرفض!

أخبرتهُ (دون النظر إليه): "أضعتَ الكثير من العمر، حتى بكى الكون الذي وِجِد من أجل سعادتنا، بسب ضعفك وتخاذلك"، ثم التزمت بالصمت!
كيف أعتقد أنه بمسايرة والدهُ حينها، غدًا سيكون أفضل وقادر على تحقيق حلمه معها، هكذا بكل بساطة؟! وهو قد أضاع أجمل اللحظات من سنوات العمر بإستكانتهِ وخضوعهِ!
نزلت قطرات من الدموع على عينيها، وهي تستعيد ممر الحياة، ممر لكل إنسان عاش على وجه هذه البسيطة..
حان وقت الأذان لصلاة الصبح، قامت وتوضأت واتجهت لمصلاها، وبعد الصلاة تمددت على مصلاها وغفت عيناها..

على رنين هاتف المنزل انتبهت مذعورة، قامت مسرعة أمسكت الهاتف بيد مرتجفة، كانت على الطرف الآخر دكتورتها، تهنئها بالسلامة وبظهور نتيجة التحاليل سليمة - ولله الحمد -.
شكرتها هالة كثيرًا، وبعد أن أغلقت السماعة، جددت وضوءها وصلت ركعتين لله حمدًا وشكرًا..

قامت هالة بتبنّي طفلة يتيمة في الثالثة من العمر تكون لها عونًا وسلوى في الحياة بعد الله (عزوجل)، ومؤنسة لها في وحدتها ويتمها..