الله الله في الأيتام

جاء في وصية الإمام (ع) وهو على الفراش مسجى يخاطب أولاده: "الله الله في الأيتام لا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من عال يتيمًا حتى يستغني أوجب الله له الجنة كما أوجب لآكل مال اليتيم النار".
وهنا يشير الإمام (ع) إلى حاجة اليتيم المادية، حيث يقول: «لا تغبوا أفواههم»، كما يشير إلى الرعاية الشاملة الكاملة بعدم تضييعهم.
واليتيم شرعًا يصدق على من فقد أباه وهو لم يبلغ سن التكليف الشرعي ،ولا شك أن فقد الأب يسبب فراغًا حقيقيًا لا يمكن سده، أما في حالة فقد الأم فإن الأب يوفر الحاضنة ويسد النقص، فلا يصبح الابن محتاجًا للآخرين، مع الاعتراف بما للأم من خصوصية نفسية وعاطفية، أما مع فقد الأب فالولد معرّض للاحتياج والنقص.
وسن التكليف هو إكمال تسع سنين قمرية في الأنثى، وفي الذكر إكمال خمس عشر سنة قمرية أو نبات الشعر الخشن في الوجه أو خروج المني.
ولا شك أن الشعور الذي ينتاب اليتيم قد لا يكون مجرد شعور متخيل، بل واقع ملموس يعيشه ويعاني آثاره، غير أن هذا الواقع لا يصح الاستسلام والإذعان له، ولا ينبغي لليتيم أن يشعر بالنقص في قيمته، فاليتم لا يدل على الدونية وضعة المقام، والتاريخ يذكر أن كثيرًا من أولياء الله الصالحين كانوا أيتامًا، فهذا نبي الله إبراهيم ولد يتيمًا؛ إذ مات أبوه تارخ وهو في بطن أمه، ثم عاش في بيت عمه آزر وهو المشار إليه في الآية الكريمة ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾.
ولأن عمه آزر قد ربّاه أطلق عليه أنه أبوه، وإلاّ فهو عمه، حيث لا يكون المشرك عابد الصنم أبًا للنبي.
وكذلك نبي الله موسى الذي لا تجد دورًا لأبيه في القرآن أو نصوص التاريخ عند ولادته ونشأته، رغم المخاطر التي حفت بأمه أثناء ولادته، والملابسات التي اكتنفت نشأته.
ومن الواضح أن نبي الله عيسى ولد من غير أب، أما نبينا الأكرم محمد، وهو أفضل الخلق، وأعزهم على الله، وأحبهم إليه، فقد مات أبوه وهو في بطن أمه، وماتت أمه وعمره ست سنوات، ثم عاش في كفالة جده عبد المطلب، ومن بعده عمه أبي طالب.
فعلى اليتيم أن يفجر طاقاته وكفاءاته، حتى يحيل النقص كمالًا، ويصنع من الهمّ والمعاناة طاقة خلاّقة، وليس ذلك بغريبٍ، فكثير ما تكون حالة الضعف والقصور دافعة نحو البذل والعطاء، فكم من يتيم معدم بزّ أقرانه من أبناء الأغنياء الموفورين، ومن العظماء الشهيد المعاصر السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه الذي لم تقعد به وفاة والده عن النبوغ والتفوق، فوصل إلى ما لم يصل إليه أقرانه الذين كانوا في ظل آبائهم، وكذلك العلاّمة الشهير الشيخ محمد جواد مغنية والذي فقد أمه ثم فقد أباه في صغره، لكن ذلك لم يحل بينه وبين النجاح والتقدم على أنداده.
لذا علينا أن نُشعِرَ اليتيم أن بإمكانه أن يتفوق، ويصل إلى مراتب عالية إذا توجه إلى ذلك، وفجّر طاقاته الكامنة، وبلور قدراته ومواهبه، فاليتم لا يعدو أن يكون امتحانًا وابتلاءً من الله سبحانه وتعالى لليتيم وللناس من حوله.
فإذا ولد ولم يجد أباه وقدوته سيصبح لديه عامل إيجابي ليس سلبيًا، ولكنه يتحول إلى عامل سلبي بسبب عدم وجود القدوة والمثل الأعلى، يقول ليس أمامي قدوة فأنا القدوة، وليس أمامي قائد فأنا القائد لقوة إرادته وعزيمته، وهنا يصبح اليتم عاملًا إيجابيًا في صنع الشخصية وصنع العقل، ولذلك على مجتمعاتنا أن تتعامل مع اليتيم كطاقة يستفاد منها.
—————
اللهم تب علينا حتى لا نعصيك، وألهمنا الخير والعمل به وخشيتك بالليل والنهار ما أبقيتنا يا رب العالمين.



