يا وطنا ليس كمثله وطن .. أحبك ماما

رن جرس المدرسة معلنا عن بدء يوم دراسي جديد مكملاً لدعوات أمي التي نعلم بأننا في حفظ الرحمن كلما قبلنا يديها احتضنتنا قائلة استودعكم الله ..
فوجئنا على غير العادة عندما حضرت المعلمة قائلة سنقوم اليوم بنشاط جميل طلبت منا أن نجرب أصواتنا لتتأكد من أننا نستطيع الحديث بصوت مسموع و تعالت ضحكاتنا " احم احم احم " و من ثم قالت سأمرر الهاتف بينكن و ما أن تسمعن صوت امهاتكن ستقولون
" أحبك ماما "...
هكذا بدأ النشاط الغير مألوف و الخارج عن العادة و تأثير تلك المبادرة أضفى على قسمات وجوهنا رونقاً جميلاً كوقع زخات المطر على أرواحنا كلما تبللنا..
تناقلنا ذلك الهاتف بيننا واحدة تلو الأخرى مشاعرنا مختلطة بين الخجل و الفرح و أنا أنظر لمعلمتي و أرى كم هي مستمتعة بالنظر إلينا مندهشة و لربما تحدق في أعيننا بحثا عن ما يوجد لدينا و لا يوجد بعيني زميلتنا ذات عمر الثمان سنوات ، هي مختلفة التعابير قوية منكسرة، يسكن الحنين عينيها..
أمسكت الأولى بالهاتف بعد أن قامت المعلمة بالإتصال لولية أمرها والمسجل رقمها خلف ورقة تم تعبأتها مسبقاً عن طريق أولياء الأمور فدار الحوار التالي سريعاً ومختصراً على حسب الإتفاق وبلهجة القطيف الدارجة :
الطالبة : ماما أحبش، وعلامات الخجل واضحة عليها
الأم : يا بعد قلب ماما وأني بعد أحبش ياعمري
طالبة أخرى : أحبش أماه، وقلبها البرئ يخفق بسرعة
الأم : يا عساني أبلغ فيش عروسة يا ماما
طالبة ثالثة : و تلفون الماما يرن والماما طولت بالرد، آخيراً ردت وسرعان مابادرت الطالبة أماه أماه وحشتيني وأحبش
الأم : وأني أموت فيش يا قلب ماما
طالبة تلو الأخرى وعلامات الوجه تختلف بمشاعرهن الطفولية ولكن جميعهن متفقون على البراءة الممزوجة بالخجل والحب.
إلى أن وصلت بالدور إلى تلك الطالبة فرأيتها مجدداً بعلامات لا أستطيع تمييزها ولوهلة من الوقت أغمضت عينيّ وحاولت أن اطرد تلك الأفكار المؤلمة و أحاول ملامسة خلجات خاطرها لأكتشف سر تلك النظرات وذلك الغموض فيها.
اقتربت المعلمة منها، رفعت نموذجها إتصلت بالرقم المدون، أمسكت بيديها و رعشة غريبة تسكن أناملها ودقات قلبها تتسارع .. أحمر وجهها ليس خجلا و إنما خوفاً ..
بدأ الهاتف يرن، و أشعر بأنفاسها تتسارع بين شهيق و زفير
ألو نعم :
الطالبة : أدمعت عينيها حتى لم تستطيع الرد
تكرر الصوت ألووو نعم !! :
الطالبة : صوت أنفاسها و بكاء و تلعثم كلمات
فجاء الرد التالي : من بنتي !!! وش فيش حبيبتي !! ويش صاير بابا !!
الطالبة : تسكن غصة بين كلماتها و نبرة حزن و ألم يعتصر فؤادها، جدو تعال ليي بسرعة المدرسة ألحين تعال ..
الجد : ويش صاير بابا !!
الطالبة تبكي بغصة : أبغى أروح الجنة ألحين ألحين أبغى ماما خلاص تعبت تعال وديني ليها وحشتني ...
فتحت عيناي بعد صدمتي من هول الموقف وبعد أن أحسست بكمية حرارة داخلها، ما إن فتّحت إلا ودموعي تنهمر دونما توقف حتى هذه اللحظة أثناء كتابتي (١)
كل الطالبات ينظرن الموقف بدون حِراك
المعلمة دموعها تتساقط ومتجمدة الأطراف، ما إن إستطاعت الحِراك حتى إحتضنت الطالبة بقوة إلى صدرها ومسحت على رأسها مسحة اليتامى وقبلت جبينها وقالت : يابعد ماما ياحبيبتي ... ولا تزال كذلك لينتهي المشهد الأليم فيتحول عيد الأم من فرح إلى حزن في هذه المدرسة .
رسالة أوجهها لكل قلب رحيم رؤوف وأخص هنا المدرسين والمدرسات ولكل من يعلم يقيناً بأن فقد الأم إنكسار، إعطفوا على هؤلاء الأطفال طلبة وطالبات وقفوا على حوائجهم من بداية حضورهم صباحاً حتى خروجهم
كونوا أنتم من يرعاهم في المدارس وحذاري ثم حذاري ثم حذاري من كسرهم فوق الإنكسار وأجركم على الله العزيز الجبار .
(١) نعم فقدت هذه الطالبة أمها مؤخراً بعد أن ألم بها مرض عضال، صبرت وعند الله إحتسبت حتى إنتقلت للرفيق الأعلى وأخبروها بأن " الماما يا روح ماما راحت الجنة "
قصتي هنا واقعية في مضمونها خيالية في سرد أحداثها فقد عشت جزءاً كبيراً منها حتى أصبح الجو العام المحيط بي كئيب ومؤلم لفقدها، أسأل الله الراحة لهذه الأم العظيمة والصبر والسلوان لمن فقدها من أهل بيتها ومحبيها ورحم الله الماضيات وحفظ الباقيات بحق محمد وآل محمد ...
الجميع يتمنى أن يكون لديه اطفال ما أن يكمل نصف دينه و كأنه يملك العالم ما أن يرزق بطفل ... و يصنع له عالماً مليء بالمرح و الراحة و العلم و الدفئ ... فكيف بالطفل الفاقد للوطن.. طفل لا زال في مقتبل العمر لايعلم من الحياة سوى أم و أب و عائلة و أمان ..
كونوا سادة لأمنياتكم إحفظوها ما أن تتحقق فهي نعم الرحمن و رحمة على هيئة بشر، هم أطفالكم.
قال تعالى: " فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ "
[الجزء: ٣٠ | الضحى ٩٣ | الآية: 9 .



