أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

كاريزما الإدارة..

اشتياق آل سيف · القطيف اليومالإثنين 27 مايو 2019، 12:53 م
كاريزما الإدارة..

من مبنى خدمة المستفيد في إدارة تعليم الشرقية بالدمام وفي قاعة الانتظار للمعلمات المراجعات في نهار شهر الخير الذي انتزعت نفسي من جميع مسؤولياته ومتطلباته الأسرية كي أواصل مراجعات قضيتي التي أصبحت هاجس حياتي واستقرار مصيري الوظيفي.

وعلى مقاعد الانتظار الذي قد يطول ويستغرق وقتاً طويلاً تقضيه زميلاتي المراجعات بتبادل أطراف الحديث بينهن لكني وأنا التي أتيت بمفردي لم اصطحب معي سوى أفكاري التي تصطلي في عقلي. ولأنني لا أمتلك صديقاً أقرب لنفسي من ذلك الكائن الذي يبدو كميت أحمله على نعش أناملي التي لن تمل من ثقله. أحمل قلماً استعرته من المكتب المنسق لمواعيد جلسات المدير العام للاستماع لشؤون المستفيدات المراجعات.

أصبح قلمي أخف وأسرع من كل أدوات التقنية في نقل مرئيات وحقائق وتجارب لحفظها ونشرها للاستفادة منها للآخرين فما فائدة علم تعلمه إن لم تزكيه بنشره وتعليمه للآخرين؟ كان قلمي ولا يزال صوتي الناطق ومنصة إعلان احتياجاتي النفسية والمعنوية وحتى كمصدر للرزق والاكتفاء المادي. وحيث يلزم التقدير يصبح وسام شكرٍ وتكريم لمن يستحق ذلك بعمله وتميزه فقد أوقفت قلمي ليكون منبر رسالة وهدف وتغيير للأفضل فهو نعمة من الله لابد أن تستثمر في الخير والصلاح وخدمة المجتمع.

و حين أبتغي متنفساً لأبث شكواي بعد الله لمن له الأمر لإنصافي تصبح قضيتي قضية رأي عام لأنني لست المتضرر الأول وليس الأخير من سوء استخدام الموقع الوظيفي لدى البعض ممن لا يتقون الله في الناس.

حين تطالب بحق من حقوقك لابد أن تصل إلى من يملك القرار والتمكن الوظيفي لمناقشة قضيتك بحيادية مطلقة لأن أكثر ما أوجعنا في مسيرتنا العملية هو ذلك الفيروس الذي يطلق علية فيتامين الواو والعلاقات مع أصحاب الشأن وربما الجهود الفردية والتي تدار تحت الطاولة كما هو متعارف عليها عند من يلجأون إليها عند تعسر أمورهم.

وقد تنجح هذه الأساليب الخاطئة برغم ما فيها من فساد إداري وعدم نظاميتها ومخالفتها للأنظمة، بيدّ أن الأسلوب الأصح هو ما يقره القرآن الكريم الذي كان ولا يزال وسيبقى منهاجاً قويماً في كل شؤون حياتنا حيث يضع لنا السلوك المستقيم في كل الأمور بقوله تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} لذلك حتى وإن استعصت عليك بعض الأمور لا تتجه للأساليب الملتوية والمحاولات الخاصة وتبتعد عن مواجهة الواقع كما هو دون مواربة أو تلميع للحقائق بما يتناسب مع المصالح الشخصية بتزييف أو تضليل.

حين ترفع قضيتك لمحكمة الأرض لابد أن تضع نصب عينيك أن عدالة السماء قائمة وإن لم تؤت حقك أحياناً وإن الله سبحانه وتعالى هو من يسوق الرزق للعباد وهو من يقطعه عنهم سواء بسوء أعمالهم أم بتسلط ذي قوة عليهم والذي لن يتمكن من أذاهم إلا حين يحدث منهم التهاون في المطالبة بحقوقهم أو التقاعس في أداء واجباتهم.

في قضيتي الإدارية والتي أصبحت أشبه بصراع امتدت جولاته وصولاته لمساحة زمنية تجاوزت الخمس سنوات، ولذلك كانت الشكاوى التي أرفعها لأولى الأمر في الإدارة تئن من طول العهد بها ومن تنقلها الروتيني بين مكاتب التعليم الإدارية في القطيف والدمام.

تنقلت كثيراً وأنا أرفع ملفي الذي أطالب فيه بتمكيني من العمل في بيئة صحية بعيدة عن الضغوط النفسية التي تغذيها الأمراض النفسية التي يعاني منها البعض في بيئة مدارس البنات خصوصاً.

وأخيراً وصلت إلى قمة الهرم الإداري في تعليم الشرقية حين تمكنت من مقابلة الدكتور ناصر الشلعان والذي يطبق مبدأ ولاة الأمر الذين يعتلون مواقعهم الوظيفية لخدمة المستفيد باتباع منهج الباب المفتوح وحسن الاستماع للآخرين ومحاولة الاحتواء بإيجابية وحيادية مطلقة يحقق فيها تطبيق النظام دون تعسف وإرساء العدل والتعامل مع الجميع بما يضمن حفظ الحقوق والتأكيد على أداء الواجبات لدى كافة منسوبي التعليم مهما تباينت مناصبهم أو مسؤولياتهم الوظيفية.

حين وصلت قضيتي لمكتب سعادة المدير العام الدكتور ناصر الشلعان تيقنت أنها وصلت لأيد أمينة كما طمأنني الكثيرون ممن عرفوا هذا الإنسان بخلقه الجميل واستقباله لجميع المراجعين والمراجعات بصدر رحب وحكمة واضحة في إدارة النقاش والوصول لحلول ترضى جميع الأطراف وتضمن إنصاف صاحب الحق والتعامل مع النزاعات بين الموظفين ورؤسائهم من منطلق التقوى ومخافة الله وتطبيق النظام وخدمة العملية التعليمية.

رغم كل ما مررت به من معاناة في مسيرتي التعليمية كنت فيها بمستوى القوة والصلابة حيث لا أتنازل عن حقوقي الوظيفية التي كنت أجهل أكثرها إلا أنني لا أميل لأساليب العنف اللفظي أو تجاوز حدود اللياقة مع أي إنسان أتعامل معه سواء كان مديراً أم أجيراً صغيرًا لأنه في الأساس إنسان يحترم لإنسانيته، لكنني كنت أواجه نفسيات مختلفة في أكثر من أربعة عشر مدرسة في جميع المراحل تنقلت للعمل فيها.

لكي تثبت ذاتك وتعطي أفضل ما لديك لابد أن تعرف حقوقك وتستميت لأخذها لأن (الحق يؤخذ و لا يعطى).

تعلمت أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وكم وجدت أناسًا شهدوا مواقف ظلم وإساءة معاملة لكنهم لم يمتلكوا الشجاعة الأدبية كي يصرخوا بكلمة حق قد تتسبب في إرباك وضعهم الوظيفي أو تسلب منهم بعض المنافع الشخصية من الحظوة لدى بعض أصحاب الكراسي العالية.

أرهقني تعثر مراجعاتي الإدارية بسبب الروتين الذي يقتل حيوية بعض الدوائر، وكانت تسبب لي ضغوطًا نفسية أدت إلى تدهور وضعي الصحي وبين رحلة العلاج في أكثر من مستشفى وإجراء أكثر من عملية جراحية وجدت نفسي قد سجلت بمسمى منقطعة عن الوظيفة ومهددة بالفصل وخسران وظيفتي بعد خدمتي في التعليم لأكثر من 19 عاماً اجتهدت بكل إمكانياتي العلمية والعملية في جميع المدارس التي خدمت فيها طالباتي وكنت أراهن بناتي وأبقى معهم إلى أن أشاركهن فرحة التخرج والعمل، وأرى بمشاعري أن المكان الذي يجمعني بهن هو بيتي الذي لا أرضى إلا أن يكون في أفضل حال يصبح مصنع الإنجازات التي أفخر بأن بعضها كان سبباً لتغيير مستوى كثير من الطالبات.

ولست أشيد بإنجازاتي لأنني لم أذكر تلك الأعمال التي لم تكن ضمن مسؤولياتي وكنت أبادر لها بنفس راضية تعشق العمل التطوعي الذي قد لا يقبل عليه الكثير من الموظفين في سلك التعليم ممن أرهقتهم متطلبات الوظيفة وواجباتها التي لا تنتهي عند حدود نهاية الدوام بل تحملها المعلمة بأثقالها وتستغرق ساعات من الوقت المخصص لأسرتها، فضلاً عن برامج الشراكة المجتمعية وتكوين مجموعات تقوية الطالبات عبر التعليم في الصفوف الافتراضية واستثمار وسائل التواصل الاجتماعي فيما يعود بالنفع على الطالبات..

وبعد كل هذه الجهود المضنية تأتي موظفات من خارج التعليم لتنتقص من جهود المعلمة وعطائها و تحسدها على إجازة أطول من إجازات القطاعات الأخرى غير التعليمية.

أحياناً أغرق في بحر حيرتي وأتخبط على أمواج الدهشة متسائلة: كيف أصبحت وظيفة الأنبياء والرسل بهذا المستوى في عصرنا الحالي برغم تطوير نظامها وتنوع أساليبها بالتقنية الحديثة؟
لماذا نجهل نحن المعلمات تحديداً حقوقنا الوظيفية والتي كفلتها لنا حكومتنا الرشيدة في هذا الوطن الغالي وطن الخير والعطاء؟

إن جهلنا بحقوقنا أو عدم الجرأة في المطالبة بها هو ما يجعل بعض من يعتلي كراسي الإدارة يتعنت ويستبد برأيه ويسيء استخدام السلطة والصلاحيات التي يمتلكها ويقلب الموازين ويسن سنناً من راسه ما أنزل الله بها من سلطان، ويهضم حقوق مرؤوسيه وكأنهم يعملون لديه لا سيما إن كان من مرضى النرجسية من ينطلق في قراراته الفردية من دوافع ذاتية أنانية ومن يرى أن له الكمال المطلق ولا أحد يجاريه في عمله.

وإنني أتساءل ما الذي يجعل المعلمات يعانين من التصادم مع إداراتهن برغم أنهن أثبتن في مدارس عديدة روعة الإنجاز والإخلاص في العمل وتحقيق أهداف التعليم، ولطالما حصدت المعلمات والإداريات وكثير من قائدات المدارس العديد من الجوائز وذلك تقديراً لإنجازاتهن الرائعة التي كان لها الأثر الكبير في المنظومة التعليمية.

أحياناً أشعر أن بعض النساء لا يمكنها النجاح في القيادة الإدارية سواء لمدرسة أو مؤسسة لأنها لا تتعامل بحيادية فتفصل بين عواطفها وشؤونها العملية لا سيما إن دخلت في منافسة عملية مع امرأة أخرى.

عجيب امرها الأنثى والتي كانت دوماً وأبداً صانعة الأجيال والمربية الفاضلة والأم الحنون، كيف تتحول أحياناً لأخطبوط شرس يود أن يعتصر كل كائن قائم بذاته أمامها كي لا يبقى لأحد سواها حضور طاغٍ وكأن لا أحد سواها يعمل.. بل إنها أحياناً تسرق تلك الجهود المضنية لمجموعة من الموظفات تحت إدارتها وتنسبها لنفسها..

ولكي لا تطغى ظلال السلبية على أفكارنا، فلابد لنا من الإشارة للكثير من رموز الإدارة في سلك التعليم من كن مثلاً أعلى وقدوة أعطت للتعليم الكثير بتجربتها الإدارية سواء في القيادة المدرسية أو التوجيه والإشراف للمعلمات وحتى كمعلمة متميزة أفنت سنوات عمرها في تعليم الأجيال.

وحين أصل لهذه الفكرة التي أختتم بها مقالي تلمع في مخيلتي أسماء لنساء عظيمات كل في مجالها الوظيفي قد أثبتت جدارتها كي تستحق أن تكون في سجل روعة الإنجاز والتألق بالعطاء والمبادرة لفعل الخيرات ولخدمة الأجيال في هذا الوطن الغالي من خلال وظيفتها والمشاركة الفعالة في خدمة منسوبات التعليم وتكريم المتميزات منهن ممن حققن سبقاً في مجال معين أو قدمن إنجازاً ساهم في تطوير العملية التعليمية وساهمن في تقدم عجلته.

لكل أولئك وبالخصوص من خسرتهن وزارة التعليم بتقاعدهن وإنهاء مسيرة حافلة بالعطاء والتفاني.. لهن جميعاً تحية تقدير وإكبار تكريماً للعطاء بنوايا إلهية قبل انتظار المردود المادي.