ثنائية الحلم والأمل 2-6

ريشة تفصح عن نفسها جوابًا معلقًا برسم المستقبل، مدثرة بالتفاؤل لما هو آت ومنتظر، ثناء ينداح على صاحبها وسط آيات الإعجاب وإطراءات الحضور، ولسان الحال يقول يا له من فأل حسن بإطلالة أولى بجائزة أولى!
صدى التبريكات تسرج عربات العزم وتدفع بالفنان الشاب صوب الحلم والأمل.
وعلى نشوة الفرح أخذ يتراسل إنتاجًا ومشاركة في ورش فنية ومعارض جماعية بنفس إيقاع أجواء لوحته التي اقتنصت الجائزة الأولى، والتي أتت بعد تجارب مضنية ومحاولات بعيدة عن الأعين، فلم يكن تكنيكها المميز ضربة حظ أو صدفة عابرة، بل نتيجة انشغالات دؤوبة ومكابدات منقوشة على نسيج اللوحة تلو الأخرى.
ريشة محدثة تسبح في فضاء التجريب اللوني، تتقاذفها جذوة الشباب وريعانه، متأثرة ومستفيدة من مجالات الفنون البصرية عبر فضاء "الإنترنت"، فقد استهوته الكثير من التجارب التجريدية المعاصرة ومن بينها أعمال الفنان الفرنسي "جيرارد ستريشر" وأمثاله ممن ينفذون أعمالهم مباشرة بجرأة ديناميكية أمام الحضور، أجواء جعلت فناننا الشاب يحذو صوب العلاقات اللونية الحرة المنطلقة دون تخطيط مسبق، صراع مع عجينة اللون في انتظار ما يسفر عنه من أشكال مرئية ولا مرئية، دفق مشاعر آنية تتساقط في فضاء اللوحة، أكسبت فناننا إقدامًا ومحاكاة من ورش "اليوتيوب" الفنية.
تأمل كثيرًا وطبق مرارًا واستوعب تجارب الحداثة اللونية بشكلها الجريء والسريع، أحاسيسه الرهيفة تتدفق على سطح الكنفاس بروح وثابة متطلعة للفن كل يوم، فلم يمنعه عبء الوظيفة التي تستهلك الجزء الأكبر من وقته، فهو مهندس في تقنية الكهرباء! مجال بعيد كل البعد عن أجواء هوايته التي تعد مهنة علمية مقدرة، لكنه يفر منها بمجرد انتهاء ساعات العمل، يتخلص من عنائها ليرتمي في أحضان الفن إلى أن يغالبه النعاس.
حينما كان تلميذًا في المرحلة الابتدائية احتوته محفزات مبكرة من لدن أستاذه لمادة العلوم (عباس العبندي)، هذا المربي المتذوق للفن أغدق على مسامعه طائفة من عبارات الإطراء والإشادة بمستواه المتميز في مادة الرسم، وأخذ بتمرير كراسته أمام عيون أقرانه في فصول المدرسة، فما كان من المدرسين إلا التصفيق الحار مع أكف التلاميذ، حالات من الإعجاب الجمعي مصحوب بثناء ومديح، معلمه (عباس) صاحب الخبرة التوثيقية في مجال التصوير الضوئي، أطلق عليه أوصافًا أكبر من سنه متنبئًا له بمستقبل واعد وزاهر، عبارات انعكست على نفسيته إيجابًا فصدقها عين اليقين، بأن لديه حدسًا جماليًا وأنامل فنان.
إشادات وإشارات تشجيعية، سكنت وجدانه الأخضر ونمت في حواسه براعم حلم وأمل، معززة بمشاهد حيوية وهامة في رحاب المنزل وهو يرى أخاه الأكبر (محمد) منكبًا على الورق ينفذ اسكتشات لبورتريهات متنوعة، فما كان منه والخطوط تأسره إلا تقليدها برؤيته الخاصة، تعلم منها مهارة فنية مبكرة وانطبعت في ذائقته الفنية، واستدل من صحابها حب الفن والثقافة والجدل المعرفي.



