أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ثنائية الحلم والأمل 4-6

عبد العظيم شلي · القطيف اليومالأحد 2 يونيو 2019، 8:56 م
ثنائية الحلم والأمل 4-6

غمار الوقت ينسل على حين غرة ويأخذ الريشة إلى مرتع الأحلام الموعودة، استسلمت لإغفاءات حالمة، تجاوزت بضعت شهور، راح صاحبها يقرأ أعماله بعين حيادية، وبنظرة فاحصة ودقيقة، يتقفي آثار مراحل بنائها، ويسترجع نظرات وإشادات وتساؤلات المتلقي حول ما أنجزه سلفًا.

يتأمل في ردات فعل هذا وقول ذاك، حكايات مروية أخذها بعين الاعتبار، وأحاديث ذاتية قادته بقدر متقلب في تصفح أحوال الفن والفنانين، تحاصره صور شتى هنا وهناك، عكف على استبصار ما يروق له من مجاميع الرؤى المختلفة، ارتحل شرودًا في الفضاء الكوني، متأملًا ومضات البرق والشهب وتطاير الشرر واشتعالات الألعاب النارية والتماعات النجوم، حتى اهتدى إلى بريقها كدليل المسافرين في الأزمنة القديمة، إضاءات.. التماعات.. ومضات.. سارت به نحو جادة الأمل.
أيقظ ريشته من رقدتها وأدخلها في الحلم المنتظر، قبض عليها بتوق وحنين وبنظرة أمل تحسسها شوقًا، غمسها غمسًا لتتعانق مع لزوجة وطراوة "الإكريلك" دهن متدفق جيئة وذهابًا على نسيج "الكانفاس" وأسطح "الفايبر جلاس"، وبحماس متقد راح يشكل مضامين أعماله من دلالة الأمل في الحياة.

مفردة أطلقها عنوانًا لمعرضه الأول "الأمل- 2014" والذي أقامه في "تراث الصحراء" بالخبر.

عيون احتفلت به فرحًا وبهجة لأعماله الجديدة، تنويعات لأحجام اللوحات المدعمة بأربعة مجسمات تصطبغ بتكنيك عالٍ، زاد إيقاعًا عن نهجه السابق، إنها تجربة تتوزع على ثلاث وثلاثين لوحة ومجسمات شامخة ضمن مشهدين متفاوتين في الطرح لكنهما يتقاطعان في تقارب الرؤية.

نتلمس الجزء الأكبر منها بالسيطرة الكاملة للكتل اللونية المترادفة وانتشارها بشكل طاغٍ على مساحة اللوحة، بينما تنفرد بعض الأعمال بحضور للكائن البشري في ربوعها بشكله المجرد والمتماهي مع الألوان، نراه يشغل حيزًا هيكليًا مهيمنًا على امتداد العمل _خصوصًا المجسمات بالإضافة إلى اللوحتين الكبيرتين_ إزاء تكوينه شبه العمودي والمتأرجح وقوفًا حيث يتبارى مع الخلفية ألقًا، يتمدد يتبعثر بإيقاعاته الصاخبة حركيًا ولونيًا، نتفحص عن قرب هذا الكائن المجهول فلا نعرف هويته ولا جنسه، تتناثر الألوان عليه تشبعًا وتخرج منه فيضًا ثم تعود إليه حنينًا.

دورة لونية متشظية بدفقات صريحة وأخرى لامعة فسفورية، كائن مثخن بالألوان ينتفض منها اهتزازا ويهتز لها انتفاضة، حالة ملتبسة من اختلاط الأحاسيس والمشاعر بين المزج والامتزاج بين حلم الأمل وأمل الحلم، وكأننا نقرئه هيامًا بلغة صوفية وسلامًا للقلوب العطشى للمتجلين فنًا بفن، امتنانًا لعنفوانه اللوني المسافر فرحًا، والمنتشي خيالًا، والداعي لمعراج الأمل.

نستجيب برحابة المتذوق حول جوهر المضمون، ونتقاسم مع الفنان تطلعه المرمز بشكله المعلن والمخفي الكامن وراء الإشارات المبعثرة والخطوط الديناميكية وسط لجة الألوان، نستشف اجتهادًا إلى ما يصبو إليه مع إطلالة كل شمس جديدة ونفس موعودة، ترقب الأمل وتتماهى لهفة بأطيافه وتتوه في كنهه، ينافسها الجسد سفرًا على أجنحة الحلم في دروب الشوق ومحطات الانتظار، وقبلًا وبعدًا ترحل النفس بين أنفاس التوقي إليه ليل نهار رهينة سحره كتعويذة عشق لا تنتهي ما دام الإنسان حيًا، كلنا مقرونون بالأمل في كل شيء، إنه مرآتنا.. ظلنا نتمسك به لآخر نفس وآخر نبضة لنا في الوجود.