يا له من خسران.. فراق شهر القرآن والغفران..

كم نحن مقصرون في حق خالقنا، وحق أنفسنا وديننا، هذا ما يشي به حالنا، وتفضحه تصرفاتنا.
باستعراض سريع لما كنا عليه خلال شهر رمضان المبارك، نكتشف أننا جد مقصرون، ومقصرون كثيرًا.
هذا التهافت الذي كنا وكان عليه جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم خلال شهر رمضان وهم يقصدون فعل الطاعات واجبها ومستحبها، ويحرصون على الابتعاد عن المنكرات حرامها ومكروهها، لهو خير دليل على أننا لا نفعل حتى اليسير مما نقوم به خلال الشهر الفضيل، وكأنه فقط هو الفترة المطلوبة لنطيع الله حق طاعاته، ونعبده كما أمر بعبوديته، وكأننا نقول من رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما.
فما دام أننا نستطيع أن نتورع عن المحارم، ونبتعد عن الموبقات خوف أن نجرح صيامنا، وخشية أن نعاقب ببطلانه، بكفارة أو قضاء ما أفسدنا، وبما أننا نتلهف للدعاء والصلاة، وندنو من ربنا دنو العابدين، وكأننا نراه، ونسكب الدموع بما لا نفعل طول العام، رجاء المغفرة والرضوان، وطلبًا للعتق من جهنم والنيران، فلماذا لا يكون هذا القرب من الرب هو ديدننا طوال العام، والبعد عن ما يبغضه هو ما نحرص عليه في كل وقت وآن، بل وفي العمر كله.
سبحان الله، نحرص على الابتعاد عن كل ما يخالف أوامر الرب عز وجل، مثل الغيبة والنمية والبهتان، والحلف زورًا، والكذب صراحة، ونلتزم بدقة وعناية بما لا يخدش الصوم، ونضم القرآن وكأنه النديم الأوحد، فلا نفارقه، حتى أننا نتلوه حفظًا وترتيلًا وكأننا أئمة المساجد، وكم نتقرب بالنوافل ونشتاق التقرب، ونتذوق حلاوة المناجاة، ونقول واآسفاه على ما فرطنا وأسرفنا، ثم لا نلبث ونعود بمجرد ثبوت العيد، ويعود الكتاب إلى أرفف النسيان، وكأننا فرحون بانقضاء شهر الله أو لنقل بنجاحنا إن شاء الله بأدائه وانقضائه وقد أديناه كما يريد من يجازي به عز وجل.
ونذكر هنا كيف كان أسلافنا يبدون الحزن على فراقه، ويذرفون دموع الوداع عليه، بانتظار عودته، وهم في لهفة وشوق طول فترة الغياب، فيا ليت أثر هذا الشهر يفعل بنا فعلته، ليبقينا على طاعة الله أمرًا ونهيًا طوال العام، وحتى أن يعود مرة أخرى فأخرى، لتكون لنا سجية في أن نبقى على ديدن واحد، وهو عبادة الله تعالى كما يريد، واتباع دينه مثلما أمر، وحتى الوقت الذي يختارنا لنعود فيه إليه، وهو يوم الحساب، ليكون ذلك اليوم هو العيد الحقيقي والذي نجازى فيه على حسن أعمالنا، ونوفى أجورنا بالنجاة من النار، والفوز بالجنة والرضوان، وجوار نبيه وآله الكرام صلوات ربي عليه وعليهم أجمعين، وما أسهله من طريق ذلك الذي لا نسيره بسيرة العارفين سوى لشهر واحد ثم نعود، بما لا يعود علينا سوى بالخسران، ويا له من خسران مبين.



