المسؤولية الاجتماعية للمنظمات.. تبرع خيري أم مساهمة في بنائه؟

ما هو دور المنظمات (المؤسسات والشركات) تجاه المجتمع؟ هل المساهمة في سباق جري أو رعاية بطولة رياضية أو مخيم إفطار له منفعة ملموسة وذات مدى طويل تجاه المجتمع؟ من ناحية أخرى هل يمكن النظر للمنظمات بأنها كيان ربحي رأس مالي بالتالي لها الحق أن تسعى لربحيتها بشكل منعزل عن المجتمع؟ ماذا لو كانت المنظمات تساهم في المشاريع الخيرية ولكن في المقابل هي أحد أسباب البطالة وما يتبعها من آثار سلبية، هل المساهمات الخيرية أو بمسمى آخر التبرعات تكفي؟ هل دور المنظمات المساهمة في بناء مجتمع أم التبرع ببعض الريالات؟
في عالم المال والأعمال توجد نظرية اسمها Corporate Social Responsibility CSR والتي تعني المسؤولية الاجتماعية للمنظمات تجاه المجتمع، ولتحقيق المسؤولية الاجتماعية لابد أن يكون للمنظمة دور حقيقي وملموس في بناء المجتمع، بمعنى آخر التبرعات الخيرية والمساهمات المادية لرعاية محفل رياضي اجتماعي ثقافي إلى آخره، هو جزء بسيط من المسؤولية الاجتماعية ولا يشكل خطوة ذات قيمة عالية اتجاه المجتمع، فعلى سبيل المثال لو فرضنا أن إحدى المنظمات ساهمت في سباق للجري، أو مخيم إفطار رمضاني، وغيرها من الأمثلة، ما أثرها فعليًا إن كانت المنظمة لا تعطي أجورًا تتواكب مع تكلفة المعيشة، أو تفتقر لسياسة تضمن الاستقرار الوظيفي، أو أنها لا توفر فرصًا وظيفية لأبناء المجتمع، من خلال هذه الأمثلة تصبح المنظمة غير مساهمة في بناء المجتمع بل هي أحد عوامل البطالة وضعف الحياة المعيشية حتى وإن ساهمت ماديًا في أي محفل اجتماعي.
قبل عدة أعوام تطرق الدكتور عامر الحسيني في جريدة "الاقتصادية" لأبعاد المساهمة الاجتماعية للمنظمات وكيف أنها لا تقتصر على التبرعات الخيرية، حيث ذكر في مقاله: "وبين مفهوم العمل الخيري Philanthropic work. يشير Carroll - 1991 إلى أن العمل الخيري يعد في أعلى هرم المسؤولية الاجتماعية للشركات"، لكن كثيرًا من الكتاب يخالفونه الرأي في قضية التداخل بين المصطلحات، وأن الأمرين يختلفان في المضمون ويتفقان في الشكليات الظاهرة، وأن كثيرًا من المجتمعات، خصوصًا الشركات يستخدمون المصطلحين بشكل تبادلي.
أعتقد أن الرؤية الآن أصبحت أكثر وضوحًا في أن مصطلح المسؤولية الاجتماعية للشركات يعتبر جزءًا من العمل الخيري، لكن هل يصح أن نطلق العكس؟ هذا ما سنصل إليه بنهاية هذه المجموعة من المقالات، من أوائل التعريفات التي أطلقت على مصطلح CSR ما كتب في عام 1975 بواسطة Elias & Epstein، حيث عرف CSR بأنها ''الإفصاح عن بعض أعمال المؤسسة، فيما يتعلق بالأنشطة الاجتماعية من ناحية أدائها أو تأثيرها في المجتمع''.
في هذا التعريف نرى دعوة إلى الشفافية فيما بين الشركات والمجتمع الذي تمارس أعمالها فيه، فمن حق المجتمع التعرف على ما تقدمه الشركة من خدمات اجتماعية، كما أن من حق المجتمع التعرف على الأثر الإيجابي أو السلبي الذي يحدث بسبب وجود الشركة، وحيث إن الإفصاح الوسيلة الوحيدة للتواصل بين الشركة ومحيطها الخارجي، فقد عرف Gray في عام 1996 CSR من خلال وجهة النظر المتعلقة بالإفصاح بالتالي: ''عملية التواصل فيما يتعلق بالأثر الاجتماعي والبيئي الناتج من الأعمال التجارية للمنظمة، للمجموعات المهتمة على وجه الخصوص وللمجتمع بشكل عام، وفي هذا تثبيت لمفهوم المساءلة للشركات وإدارتها، الذي يتجاوز المسؤولية في تقديم التقارير المالية لملاك ومساهمي الشركة، وهذا المفهوم يقوم على أساس أن للشركات مسؤوليات تتجاوز تعظيم الأرباح للملاك''.
نجد في هذا التعريف توظيفًا لمفاهيم الإفصاح والمسؤولية والمساءلة في علاقات الشركة بالمجتمع المحيط بها، وحيث إن الإفصاح، يعتبر من ضمن أهم الوظائف المحاسبية لعلم المحاسبة، فقد ربط مصطلح CSR بمصطلح المحاسبة الاجتماعية Social Accounting، التي تعنى بالتواصل مع الفئات الخارجية وغير المستفيدة مباشرة من النتائج المالية للشركات، ليكون الهدف كما عرفه Mathews & Perera في عام 1995: ''توسيع الإفصاح ليشمل موضوعات غير تقليدية في مجال الإفصاح، مثل تقديم المعلومات عن التوظيف، والمنتجات، والخدمات الاجتماعية والبيئة التي تقدمها الشركة وليست من ضمن أنشطتها الرئيسة''.
وهذا التعريف قد يوطئ لتعريف آخر يأخذ من الوظائف الإدارية الأساس لتقديم CSR، وهو التعريف الذي قدمته المنظمة الأمريكية المتخصصة في المسؤولية الاجتماعية، التي أشارت إلى أنها ''القرار الإداري المرتبط بالقيم والأخلاقيات، والملتزم بالقوانين والتشريعات، الذي يحترم الإنسان، والمجتمع والبيئة المحيطة''، فمع اختلاف المدارس أو التخصصات إلا أننا نجد توافقًا كبيرًا في أساسيات المفهوم، الذي ينطلق من تطبيق جيد لمفاهيم حوكمة الشركات، كما أشار إليه في المنتدى الاقتصادي العالمي، والمنتدى العالمي لقادة الأعمال في 2002.
في واحد من أكثر التعريفات إجمالًا لموضوع المسؤولية الاجتماعية للشركات، تقول Jupiter Asset Management: ''إدارة وتشغيل الشركة بطريقة مسؤولة بهدف تعظيم الأثر الإيجابي وتقليل أي تأثير سلبي في البيئة، والمجتمع والاقتصاد الوطني''، وهذا يعتبر من أكثر التعريفات إيضاحًا لمهام المسؤولية الاجتماعية للشركات التي تتطلب أن تكون الشركة عضوًا نافعًا للمجتمع المحيط، وهذا ما أطلقت عليه جمعية المسؤولية الاجتماعية للشركات في الاتحاد الأوروبي ''توظيف المسائل الاجتماعية والبيئة مع أنشطة الشركة في التواصل مع الجهات المستفيدة من منطلق غير إلزامي للشركات".
من خلال توضيح أبعاد المسؤولية الاجتماعية للمنظمات تجاه المجتمع؛ سأتطرق لجانب ذي بعد اجتماعي وتنظيمي من خلال هذه التساؤلات؛ لو فرضنا أن إحدى المنظمات استغنت عن خدمات أحد الموظفين وأنهت عقده بشكل نظامي، ما يعني بناءً على نظام العمل، حيث تم دفع جميع مستحقاته بالكامل ولكن السبب الباطن لفصل الموظف يعود لخلاف شخصي، أو مزاجية صانع القرار، أو من أجل توظيف شخص آخر ربما صديق أو قريب أو ربما بهدف تقليل المصاريف من خلال توظيف عاطل عن العمل ظروفه المعيشية تجبره على القبول بأجر متدنٍ أو ربما لتوظيف أجنبي بدلًا من المواطن.
هل دفع المستحقات المالية يكفي؟ ما هو الأثر المادي والنفسي والأسري والاجتماعي جراء فصل الموظف عن وظيفته؟ هل حزمة من الريالات تكفي؟ هل هذه مساهمة اجتماعية (والله عطيناه حقوقه)؟ ما نفع مساهمة المنظمة في سباق الجري ومخيم الإفطار الرمضاني في ضل وجود بطالة؟
ما تطرقت إليه ليس استنقاصًا لنظام العمل، وليس إجبارًا للمنظمات لإبقاء الموظفين إلى الأبد، ما أريد أن أشير اليه هو أهمية خلق آلية تحدٍ من فصل الموظف بسبب الشخصنة أو المزاجية أو بهدف المحافظة على هامش أرباح.
أن يؤمن القانون حصول الموظف على تعويض أو مكافأة مالية لا يكفي، ولتحقيق ذلك أقترح أن يتم خلق بوابة إلكترونية تحتوي على عدة أسئلة موجهة للطرفين (رب العمل والموظف الذي قررت المنظمة الاستغناء عن خدماته)، هذه البوابة ليست الفيصل في استمرار الموظف أم بقائه بل لشفافية أكثر حول سبب الفصل.
من جملة الأسئلة: لماذا قررت المنظمة الاستغناء عن خدمات الموظف؟ هل السبب ضعف أداء الموظف؟ إن كانت الإجابة نعم هل قدمت المنظمة التدريب اللازم لرفع الأداء، هل السبب تقليص خسائر؟ إن كانت الإجابة بنعم يرجى إرفاق تقرير مالي من أحد مكاتب الاستشارات المالية المعتمدة، هل ستلجأ المنظمة لتوظيف شخص آخر؟ إن كانت الإجابة بنعم يرجى توضيح من هو الشخص الآخر وسبب الاختيار، كما يرجى توضيح أسماء المدراء والمسؤولين في المنظمة، أيضًا هل الأجر الشهري والحوافز ستبقى على ما هي عليه أم ستتغير؟ بالإضافة إلى عدة أسئلة أخرى توجه للموظف.
هذه الممارسة تكشف نوايا المنظمات وستساهم في تقليص البطالة، فالمكاشفة والشفافية من شأنها أن تخضع المنظمات لتقليل الاستغناء عن الموظفين حتى تتجنب المساءلات في ظل الشفافية في التعامل مع ملف تسريح الموظفين من قبل الجهات المسؤولة، لنكن فعلًا مساهمين في بناء المجتمع فكلنا مسؤولون.



