الحليب ومنتجاته.. تحت رحمة مصانع الألبان

أن نضع قيمة الإنسان وصحته هدفًا أساسًا فوق الاعتبارات المادية.. هو ما لا نشهده دائمًا - للأسف - فالشركات الغذائية استسلمت لسياسات غذائية موجهة؛ باتجاه ما يناسب "صراع السوق "أرباح هائلة دون النظر إلى ما تجلبه لنا من مخاطر صحية.
يهمني اليوم أن يتمحور حديثي حول مصانع الحليب ومنتجات الألبان المحلية.
تلعب الألبان ومنتجاتها دورًا مهمًا في التغذية لاحتوائها على معظم العناصر الأساسية الضرورية لبناء الأجسام.
وانطلاقًا من تلك الأهمية، أخدت صناعة الألبان في بلادنا تشق طريقها بخطى حثيثة ضمن مخططات مدروسة تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، والأمن الغذائي، فقدمت الدولة الدعم والتشجيع إضافة إلى التسهيلات والحوافز للمستثمرين، كل ذلك من أجل تحقيق ذلك الهدف.
المستثمرون في صناعة الألبان استفادوا من كل ذلك الدعم، وامتلكوا الأراضي الشاسعة لإنشاء الحظائر والمسطحات الخضراء، واستفادوا أيضًا من الدعم المادي، والإعفاءات الضريبية، والمعونات المادية للأعلاف، والأجهزة والمعدات.. لإنتاج هذا النوع من الغذاء.
هم يتباهون عبر وسائل الإعلام ومن خلال البرامج الوثائقية والإعلانات التي يقومون بإعدادها، بامتلاكهم أكبر وأحدث مصانع لإنتاج الألبان على مستوى الشرق الأوسط، وبرقم متقدم عالميًا وهذا إنجاز كبير ومفخرة وطنية، مستفيدين من التقنيات والأساليب الحديثة المتاحة في الإنتاج والتربية والنظافة والعناية الصحية.
فحجم الإنتاج اليومي أو السنوي للأبقار الحلوب ذات السلالات الأصيلة حسب الدراسات الإحصائية المقدمة من مسؤولي تلك المصانع دليل على أن الحليب المعروض في الأسواق يجب أن يكون طازجًا بنسبة 100%، وإن المعالجة اقتصرت فقط على عملية البسترة أو التعقيم، وقد يدعم بفيتامين A / D بناء على التشريعات الخليجية والقوانين الدولية.
• إذن هو حليب طازج دون إضافة ماء، وحليب مجفف، ومواد مالئة - حافظة - وداعمة..!
بينما نرى هناك تصريحًا إعلاميًا لرئيس مجلس إدارة أحد مصانع الألبان يؤكد فيه خلط الحليب الطازج مع كمية من الحليب الجاف لتدعيم خط الإنتاج، هم قالوا ذلك!!
إذن؛ هل مكونات المنتج تعكس الحقيقة؟
• مكونات العبوة التسويقية قد لا تعكس جميع الإضافات الغذائية.
• هنا تأتي أهمية القيمة الغذائية للحليب الطازج المعروض في الأسواق، وتأثيره غذائيًا وصحيًا على المستهلك.
• ومن أجل تفادي تلك التأثيرات لجأت بعض المصانع بدعم منتجاتها بفيتامينات ومعادن، وإضافات أخرى لتطابق الخواص الطبيعية ولإطالة فترة صلاحيتها.
• التلاعب والعبث في تركيبة الحليب الطبيعية بنزع جزء من مكوناته كالدهن وإضافة مكونات أخرى أفقدت القيمة الغذائية التي تحتاجها أجسامنا.
فنرى اليوم الكثير من الذين يعانون هشاشة العظام وارتفاع ضغط الدم نتيجة نقص عنصر الكالسيوم في الحليب الطازج، هم ممن يداومون على شربه يوميًا، سواء بتوصية طبية أو رغبة شخصية.
• أرى من الغريب أن يلجأ هولاء المنتجون إلى هكذا معالجة؛ ومن ثم يباع الحليب واللبن والزبادي والقشدة والكريمة والزبذة.. على أنه طازج.
ولعل أكبر دليل على ما ذكر، هو تساؤلنا عن طبيعة الحليب الطازج ومدى مطابقته للمواصفات السعودية الخليجية
الحليب المبستر GSO 984/2015
وضمن بنود المواصفة أدرجت هذه التوصيات:
• أن يكون خالياً من المضادات الحيوية والعقاقير البيطرية والهرمونات والمبيدات الحشرية وأي من المواد المضافة للأغذية.
• يجب إضافة فيتامين D / A إلى الحليب المبستر.
• لا يتم خلط الحليب الخام والحليب المجفف في صناعة الحليب المبستر.
دعونا نقترب أكثر لشيء من التفاصيل حول مدى التجاوزات التي أثرت على القيمة الغذائية للحليب ضمن مجموعة من الاستفسارات:
أولًا- الإنتاج اليومي للحليب البقري الطازج والمصرح به من قبل مسؤولي مصانع الألبان عبر وسائل الإعلام يتجاوز الـ90 لتراً بـ4 فترات حلب كل 6 ساعات، بينما نرى أفضل السلالات الأوروبية الحلوب المشهورة مثل الفيريزيان، والجيرسي، والهولستاين، في موطنها الأصلي لا يتجاوز إنتاجها بين (35 - 20) لتراً بفترتي حلب فقط.
فكيف يتسنى لها ذلك؟
ثانيًا - تركيبات علفية يتم إعدادها من البرسيم وبذرة القطن وفول الصويا وحبوب الذرة.. ويضاف لها نسبة عالية من البروتين ومواد أخرى مركزة، هذا الخليط من العلف يساعد الأبقار على زيادة إدرار الحليب.
ونحن نسأل عن مصدر البروتين؛ نباتي أو حيواني؟ وماهية المواد الأخرى المضافة؟!
وكلنا يعلم أن الماشية بالفطرة الإلهية هي حيوانات مراعٍ تتغذى على النباتات العشبية الخضراء والحبوب الطبيعية، وفي حالة تغذيتها بأعلاف مخلوطة بمشتقات حيوانية أو معدلة وراثيًا، تصبح لحومها وألبانها ملوثة بالميكروبات السمية القاتلة.
لذا ألزمت الهيئة العامة للغذاء والدواء مستوردي اللحوم بإرفاق وثيقة صحية معتمدة تثبت عدم تغذية الماشية على أعلاف محتوية على بروتينات ودهون مصدرها حيواني كإجراء وقائي، خوفاً من تلوث الأعلاف بالديوكسينات الضارة بالصحة، وهو مطلب من أجل فسح الإرسالية.
ثالثًا- من المعروف أن الحليب الطبيعي غذاء أقرب إلى التكامل الغذائي، ليس بحاجة إلى إضافات غذائية كونه غذاء متكاملًا - قد يدعم بفيتامين A / D لأغراض خاصة، بينما نرى الحليب الطازج في السوق يكاد أن يصبح عقارًا أو مكملًا غذائيًا - لماذا هذا؟
رابعًا - الكميات الكبيرة المستوردة من الحليب المجفف لمصانع الألبان، تضعنا في حيرة كون تلك المصانع تملك آلاف الأبقار الحلوب ومن السلالات الأصيلة، وأغلب إنتاجها يحمل كلمة طازج!
خامسًا - تلجأ بعض المصانع إلى التعاقد مع مزارع أبقار محلية صغيرة لشراء إنتاجها من الحليب الخام وتجميعه ونقله في صهاريج مبردة لدعم وتشغيل خط الإنتاج دون النظر إلى الضوابط وحالة الأبقار الصحية والإمكانيات المتوفرة في تلك المزارع!
سادسًا - فترة صلاحية الحليب الطازج قصيرة كون بكتيريا حمض اللاكتيك المتواجدة فيه تكون في حالة نشاط، فمقدار الحموضة دليل على مدى صلاحيته، بينما الحليب الطازج المتواجد في أسواقنا لا تبدو عليه علامات التغير من ناحية الخواص الطبيعية رغم طول فترة حفظه!
سابعًا - خط الإنتاج من الطبيعي أن يتأثر حسب فصول السنة، وقدرة الحيوان على التكيف أو تحمل حرارة الصيف، "حتى ولو توفرت التقنية الخاصة لخفض درجة الحرارة في العنابر المغلقة أو المفتوحة"، تظل المقاومة محدودة، بينما نرى الإنتاجية لا تتأثر بتلك الظروف الحرارية المتغيرة!
هذه جملة من التساؤلات، والإجابة عنها هي المقياس الأدق لتلك التجاوزات.
• الباحثون يؤكدون أن حقن الأبقار الحلوب بهرمون النمو البقري يرفع إنتاجية الحليب إلى أضعاف الإنتاج الطبيعي.
• الحليب الطازج المنتج محلياً من مزارع الأبقار الحلوب؛ تستخدم العقاقير البيطرية لمساعدة القطيع في التغلب على الظروف القاسية جداً من حرارة ورطوبة وتكدس كونها تعيش وسط صحراء.
• فإدخال الهرمونات والمضادات الحيوية والعقاقير البيطرية والمواد الحافظة في صناعة وتجهيز ومعالجة الحليب الطازج وكذلك عملية نزع وإضافة مواد أخرى؛ أدى كل ذلك إلى تحميل جسم الإنسان للكثير من المخاطر والتجاوزات الصحية.
والسؤال هنا/ أين الرقابة على تجاوزات تلك المنشآت؟
المعنيون هم الهيئة العامة للغذاء والدواء - وزارة البيئة والمياه والزراعة - وزارة البلدية والقروية - وزارة الصحة - وجهات أخرى لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة..
فالهيئة لها دور رقابي يتمثل بفحص المواد الخام المستوردة لمصانع الألبان في مختبراتها للتأكد من سلامته، ومن بعد ذلك يأتي دور الإدارة التنفيذية للرقابة على الأسواق المحلية لسحب عينات وفحصها في مختبرات الهيئة لضمان التزام المنشآت بالتقيد بالاشتراطات الفنية والصحية ومأمونية وصلاحية المنتج.
وسياسة التشهير المتبعة لدى الهيئة للمنشآت التي لا تلتزم بالضوابط الصحية تحد من التجاوزات ورأينا الكثير منها عبر وسائل الإعلام.
كما أن وزارة البيئة والمياه والزراعة - ووزارة البلدية والقروية، وجهات أخرى لها دور ومهام إضافية في الرقابة على تلك المنشآت.
من حقّنا أن نسأل ونستفسر عن طبيعة الحليب الطازج المتواجد في أسواقنا المحلية، جملة من التغييرات أثرت على قيمته الغذائية نتيجة المعالجات الحرارية والاصطناعية والبيطرية، والخوف هنا يأتي من هكذا معالجات، جعلتنا نشكك في سلامة الحليب التي تنتجه تلك المنشآت، لم يأت ذلك من فراغ وإنما نتيجة تراكمات ومشاكل صحية وتغدوية أصابت الكثير من المستهلكين، هم يقبلون على شرب الحليب الطازج من أجل الصحة والحيوية والنشاط، ولكن لم يروا تلك النتيجة المطلوبة؛ إصلاح الخلل أو النشاط في أجسادهم، كل ذلك بفعل المعالجات، وطبيعة الحليب المعروفة من حيث عدم تحمله للحفظ وسرعة تلوثه وفساده.
• التلوث الذي قد يصل إلى الحليب من عدة مصادر، من العليقة المقدمة للأبقار - العقاقير البيطرية - المطهرات - المعالجات أثناء التصنيع - الإهمال في الضوابط الصحية.
هنا يأتي دور الرقابة التشريعية ممثلة في الجهات المعنية - والهيئة العامة للغذاء والدواء إحدى تلك الجهات، قادرة على طمأنة الناس بسلامة ومأمونية الحليب ومنتجات الألبان لوجود الإمكانيات الكفيلة بإزالة كل لبس وشك عبر تشديد الرقابة على تلك المنشآت والتأكد من خلو الحليب ومنتجاته من الملوثات الضارة.
• نحن نعرف أن الفحوصات المخبرية لا تبحث عن الجودة أو القيمة الغذائية وإنما على صلاحية وسلامة المنتج الغذائي للاستهلاك الآدمي وهذا هو الأهم.
ومن أجل ذلك واستمراراً لدور الهيئة؛ نشرت توضيحًا عبر وسائل الإعلام، وفي موقع الهيئة الإلكتروني في
(4 رمضان 1440هـ) حول الادعاءات التي تشكك في سلامة وجودة الحليب ومنتجات الألبان المحلية،
(«الغذاء والدواء» تنفي تسبب منتجات الألبان في السعودية بـ«هشاشة العظام» والسرطان).
• المختصون في التغذية يفضلون الحليب الطبيعي "العضوي" لاكتمال عناصره الغذائية من معادن وأملاح وفيتامينات وسكريات ودهون وبروتينات.. دون معالجة باستثناء عملية البسترة والتعقيم كإجراء وقائي، والأبقار هنا ترعى في الهواء الطلق وتسرح في المسطحات الخضراء الواسعة، وتُعْلف على البرسيم والشوفان والحشائش الخضراء الخالية من التعديل الوراثي، والمبيدات الزراعية، والأسمدة الكيميائية.
أين يتواجد ذلك الحليب الآن؟
نطرح سؤالاً دون أن نجد له جواباً.
في نظرنا بحكم المعالجة الصناعية التي يتعرض لها الحليب، افتقدنا لتلك الخواص الطبيعية المعروفة وأصبح الحليب يُعرف - بشراب ناصع البياض، خفيف القوام، ذو طعم ونكهة أقرب للحليب الطبيعي، تطول مدة حفظه ومقاومته للفساد، معالج صناعياً، ومدعّم بالفيتامينات والمعادن.
وقد يكون المنتج أقرب إلى "شراب بنكهة الحليب".
• وليس من الضرورة التوقف عن شربه، هذا إذا ثبت بالفحوصات المخبرية خلوه من أي ملوثات وعقاقير بيطرية وإضافات اصطناعية..
ونحن نرى قيام الهيئة على فترات دورية، إجراء مسح شامل للحليب الطازج وجميع منتجات الألبان، بحيث تؤخذ عينات من خط الإنتاج، ومن مخزون المصنع، ومن الأسواق، وتشمل أيضًا المواد والمركزات والإضافات العلفية، وإخضاع جميعها للفحوصات المخبرية للتأكد من سلامتها وصلاحيتها للاستهلاك الآدمي، وتنشر النتائج عبر وسائل الإعلام الرسمية لطمأنة الناس وإزالة أي غموض أو ادعاءات نتيجة تصريحات إعلامية من هنا وهناك، وتعامل كبلاغ عاجل.
• أما من ناحية إطلاق مسمى "شراب بنكهة الحليب" على الحليب الطازج المتواجد في الأسواق فهي قناعة شخصية قد لا يتبناها آخرون مختصون.
والشاهد هنا هو قدرة الشخص على شرب مقدار لتر واحد أو أكثر من ذلك الحليب دون الشعور أو الإحساس بأي حركة أو نشاط معوي، بينما كأس واحد من الحليب الطبيعي الغني بالمواد الدهنية وسكر الحليب والمواد المغذية الأخرى كافية لإعطاء إحساس بنشاط طبيعي سريع للأمعاء والرغبة في التخلص من الفضلات.
• فلسفة العودة إلى الطبيعة هي أكثر فائدة من الناحيتين الصحية والغذائية، لكن كيف يتم ذلك؟!
• وختامًا رحم الله أيام زمان - ذلك الحليب الطبيعي الطازج ذو اللون الأبيض المشوب بالصفرة، والطعم الحلو المائل إلى الملوحة، والنكهة المميزة، وقطع الدهن أو الزبدة الصفراء المتراكمة على سطحه التي أكسبته مذاقًا دسمًا بروتينيًا، تقوم بإعداده أمهاتنا على نار هادئة حتى درجة الغليان، وهي كافية للقضاء على الجراثيم المرضية، هذا هو الحليب الذي بنى وقوى أجسامنا، وحافظ على صحتنا، ومنحنا النشاط والحيوية.
منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات



