في البحاري.. تفاصيل اليدين تروي حكاية 40 عامًا قضاها الثنيان بين الأنابيب وأسلاك الكهرباء

على مدى 40 عامًا سار عبدالله الثنيان أبو محمد مترجلًا على قدميه في قرى ومدن القطيف متنقلًا من حي إلى آخر بعدته الصغيرة لكسب لقمة العيش من مهنتَي السباكة والكهرباء؛ هاتين المهنتين التي كانت ولا تزال تسيطر عليهما العمالة الوافدة.
بدايته كانت في سوق الجبلة وسط محافظة القطيف؛ حيث تجتمع في ذلك السوق الكثير من العمالة الوطنية الباحثة عن لقمة العيش وكان الثنيان واحد منهم.
اجتهد على نفسه لكي يتعلم مهنتَي السباكة والكهرباء أثناء عمله كعامل مساعد فني كهربائي وسباكة، ومن خلال المتابعة الدقيقة والاستمرار في العمل مع الفني الذي يعمل معه كمساعد استطاع أن يكتسب هاتين المهنتين حتى أتقن العمل فيهما بكل جدارة.
وفي سبيل تعلم مهنتَي السباكة والكهرباء رفض الثنيان العمل في البناء مع الكثير من المقاولين وبعد أن أتقن هاتين المهنتين عمل في بداية إعمار منطقة الدخل المحدود وكان الطلب وافر لجميع أصحاب المهن، فعمل فيها لعدة سنوات متواصلة بالاعتماد على النفس ثم انتقل من سوق الجبلة بالقطيف إلى حي الجبلة وهو أحد الأحياء المشهورة في قرية البحاري وهو عبارة عن سوق شعبي تباع فيه المنتجات المحلية قديماً ويجتمع فيه أهالي البحاري، حيث قام بفرش عدته على أحد الأرصفة هناك كإشارة منه لأبناء قريته أنه يقوم بإصلاح جميع أعطال الكهرباء والسباكة المنزلية، وبعد أن ذاع صيته في القرية كفني كهرباء وسباكة اعتمد عليه أبناء القرية في إصلاح جميع أعطال الكهرباء والسباكة، ثم انتقل إلى الأحياء المجاورة لقرية البحاري مثل بلدة القديح وحي الحسين والناصرة والمنيرة والتركية.
ولا يزال الثنيان يزاول مهنتَيه إلى يومنا هذا برفقة ابنه الأصغر علي والذي تعلم منه مهنة الكهرباء ليتخصص فيها تاركاً لوالده مهنة السباكة.
وأوضح الثنيان أن ابنه علي يعد من الطاقات الشبابية لمزاولته مهنة الكهرباء، مضيفاً أنه عمل معه في مهنة الكهرباء من الصغر فتعلم المهنة رغم أنه لم يلتحق بأي معهد أو مركز مهني ليبعث من خلال ذلك رسالة للمسؤولين وللشباب السعودي بأن الكوادر الوطنية لديها القدرة على العطاء إذا توفرت لهم سبل الدعم والتقدير من المجتمع.
وبيّن أنه كسر حاجز الخجل والخوف من نظرة المجتمع لهاتين المهنتين، مستنكرًا النظرة الدونية التي ينظرها بعض الناس في المجتمع لمن يعمل بهذه المهن، وقال: "ليس عيباً أن يعمل المواطن سباكاً أو كهربائياً ويجب البحث عن الرزق في أي مكان وبأي عمل ما دام عملًا شريفًا"، ويؤكد أنه تلقى مع ابنه حوافز معنوية من جميع الناس بعد مواصلة العمل اليومي، وكان هذا دافعاً لهما لمواصلة خطوات النجاح دون الالتفات إلى النظرة القاصرة من البعض.
وأكد أن مهنتَيه من أفضل المهن الحرفية فمنها يكتسب المال وفيها قضاء حوائج الناس، وهو يفتخر جدًا بمهنتيه ويسعد إذا قدم خدمة إلى أي إنسان وبالأخص من الجانب النسائي كالأرامل والمطلقات اللاتي ليس لديهن القدرة على جلب فني من خارج القرية لإصلاح أعطال السباكة والكهرباء في منازلهن.
▪وقفات▪
س/ كم كان عمرك حين بدأت العمل في مهنتَي السباكة والكهرباء؟ وكم عمرك الآن؟
ج/ كنتُ أبلغ آنذاك عشرين عاماً، وعمري الآن تجاوز السبعين عاماً.
س/ ما هو سر نجاحك؟
ج/ هناك عدة عوامل وطرق تقود الإنسان إلى النجاح وأهمها الإخلاص والتفاني في العمل، والصدق والأمانة وحسن الخلق مع الناس ومراعاة ظروفهم المعيشية أنا أتكلم من واقع خبرتي في الحياة.
س/ ما هو العامل الذي دفعك لمزاولة مهنتَي السباكة والكهرباء؟
ج/ إيماني بالله بأن العمل الحر هو من أفضل الأعمال من حيث تحصيل المال ومعرفة الناس ومحبتهم، والإنسان الذي يمتلك حرفة يدوية لا يفتقر أبداً.
س/ ما هي أصعب العقبات التي واجهتها في بداية مشوارك المهني؟
ج/ في اعتقادي كانت المواصلات هي العقبة الأصعب بالنسبة لي لعدم قدرتي على تعلم القيادة في سن صغيرة فكنت أذهب كل صباح إلى سوق الجبلة بالقطيف مشياً على الأقدام لا سيما في فصل الشتاء فالأجواء تكون باردة وخاصة عند هطول الأمطار حيث يكون الوضع متعباً للغاية.
س/ كم كان عمرك عندما تعلمت قيادة السيارة؟
ج/ كان عمري أربعين عامًا.
س/ ما هي حكمتك في الحياة؟
ج/ الصبر مفتاح الفرج.
س/ ماذا تعلمت من الحياة؟
ج/ الصبر والمثابرة على العمل.
س/ ما الشيء الذي تتمناه لأبنائك؟
ج/ السعادة والعيش الرغيد وأن أراهم في أعلى درجات التفوق والنجاح.
س/ برأيك ما هي الصفات الإيجابية التي تتمتع بها؟
ج/ عشقي لمهنتي وحبي للعمل والكفاح.
س/ ماذا عن الصفات السلبية؟
ج/ الخجل والطيبة الزائدة.
س/ هل تتذكر بعض رجالات القرية من الجيل القديم الذين خدموا قبلك في مجال السباكة والكهرباء؟
ج/ في مجال الكهرباء هناك المرحوم أحمد الميلاد أبو عبدالصمد - رحمه الله - وأبناؤه، والحاج علي صالح آل زيد أبو حسين والحاج محمد عبدالله سويد أبو نبيل.
أما في مجال السباكة فهناك المرحوم يعقوب سويف أبو يوسف - رحمه الله - وأبناؤه، والحاج جاسم رجب أبو عبدالأمير وأبناؤه.
هؤلاء جميعهم حملوا القرية على أكتافهم لسنوات عدة وقدموا أفضل الخدمات لأبناء قريتهم فجزاهم الله خير الجزاء.
▪بطاقة تعريفية▪
عبدالله الثنيان أحد رجالات قرية البحاري، خدم القرية في مجال السباكة والكهرباء لأكثر من أربعين عاماً، وهو رجل مكافح، يقدس العمل ولا يتأخر عنه إلا إذا منعه عذر شديد، تجده يحرص عليه بمقلة عينه ويتقنه بما أوتي من خبرة، يداه تتورمان من شقاء العمل ورغم ذلك تجده نشطاً وقلبه مفعم بالحياة، ويتمتع بحسن الخلق ولين الجانب فهو شخصية اجتماعية ورجل مكافح جدير بالثقة والأمانة، تحمل مرارة الحياة منذ نعومة أظافره وتكفل بوالديه وأخوانه وكان لهم بمثابة البلسم الشافي حيث كان السند الأول لوالده الذي يعمل فلاحًا، والآن هو متزوج وله ستة من الأولاد وخمس من البنات.
▪قالوا عنه▪
يذكر الحاج حسين مدن الخنيزي أن نظر المواطن عند البحث على كهربائي أو سباك يتجه إلى الجنسيات الأخرى إلا أنه يقوم بالبحث عن الثنيان عند الحاجة له ليقوم بإصلاح جميع الأعطال المتعلقة بالكهرباء والسباكة لأن ابن البلد أولى وأفضل، خاصة إذا كان متقنًا للعمل مثل الثنيان فهو مثال حي للكوادر الوطنية الناجحة الذين يبحثون عن أرزاقهم ولا عيب في ذلك ولا بد أن نظرة المجتمع تتغير وتكون حافزًا لمثل هؤلاء الكوادر الوطنية.
ويقول الناشط الاجتماعي بقرية البحاري الحاج مبارك الميلاد بأن الثنيان ابن البحاري وابن الوطن المعطاء قدم الكثير لأبناء مجتمعه فهو رمز من رموز الكوادر الوطنية التي نفتخر بها، فرغم تقدمه في العمر إلا أنه مازال مكافحًا ومصرًا على العمل بكل عزيمة وإصرار.














