الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

الرامس: مسيجات تاروت حافظت على بقاء تاريخها.. ولكن!

سناء آل حسين · القطيف اليومالأربعاء 17 يوليو 2019، 10:22 ص
الرامس: مسيجات تاروت حافظت على بقاء تاريخها.. ولكن!

يبدو أن تاريخ جزيرة تاروت يصارع البقاء رغم التقصير الذي يعانيه من الاهتمام به أو الالتفات لقِدمه، ولربما حالفه الحظ قليلًا في فترة ما، فسوّر بعض من ذلك التاريخ، إلا أن الأسوار صدئت، والشواهد غابت عن المكان، فلا علم للمارة بالقرب من تلك الأماكن المسيجة ببعض الأسلاك الحديدية أنهم يمشون على بعد خطوات من كنوز لها من مئات السنين ما لها.

تاريخ بين المساكن
المهتم بالتاريخ سلمان الرامس أوضح أن أحد المواقع جنوب الربيعية والواقع في وسط منازل المنطقة، واحد من المسيّجات وسط المنازل، مؤكدًا أن تلك المسيجات والمدافن عثر فيها الباحثون على الكثير من الكنوز والكثير من الآثار التي تعتبر كنوزًا لأنها تعطي صورة واضحة عن علاقة جزيرة تاروت بالحضارات الأخرى، كما تعطي صورة واضحة عن أن هذه المنطقة كان لها علاقات تجارية مهمة جدًا ببلاد الرافدين وبإيران وعمان وكانت مهمة جدًا من قبل 3 آلاف سنة ق.م إلى لآن.

وأضاف في حديثه لـ«القطيف اليوم» أن ذلك الموقع القابع وسط منطقة سكانية ليس هو فقط من حظي بالتسييج، هناك أيضًا مواقع أخرى مسيّجة تقع وسط المنازل، إلا أن الموقع الوحيد المسيج الآن والبعيد عن امتداد العمران، هو الذي في شمال جزيرة تاروت عند منطقة الزور.

اتصال لا ينقطع
ولتلك الجزيرة الموغلة في القدم مميزات حول اتصالها التجاري بالبلدان الآنفة الذكر، حيث أن ذلك الاتصال الحضاري لم ينقطع أبدًا -بحسب الرامس-، إلا أنه في كثير من المواقع الأخرى في شبه الجزيرة العربية لم يستمر هذا الوجود الإنساني مثل تدمر ومدائن صالح وغيرها.

تاروت..
ويعيدك الرامس في حديثه إلى التعريف بتلك الجزيرة العتيقة "تاروت"، ليعرفها أنها واحدة من الجزر التي تقع في وسط الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، فهي تقع في وسط الساحل الذي يمتد من الكويت شمالًا وحتى الإمارات العربية جنوبًا، كانت مساحتها سابقًا 19 كم² فقط، إلا أنها تمددت بفعل الردم المتواصل خلال 6 عقود أو 7 عقود متواصلة لتصل مساحتها تقريبًا إلى 35 كم².

وتضم تاروت 120 ألف نسمة تقريبًا، وهذا العدد بين الباحث الرامس أننا لن نجده في أي جزيرة أخرى تابعة للمملكة العربية؛ لا على الخليج العربي ولا حتى على البحر الأحمر.

آثار..
يؤكد الرامس أن هذه الجزيرة تحتوي على العديد من المواقع الأثرية، وأن بعض هذه المواقع شاخصة؛ أي أن الإنسان يستطيع أن يراها عن بُعد، والكثير من الناس يعشق هذه الأماكن، مستدركًا أن المهم والأكثر أهمية ودهشة هي تلك المواقع غير الشاخصة أو تلك الآثار الموجودة تحت باطن الأرض والتي لا يعرفها أحد.

ولتاروت أيضًا نصيبها من المتروكات الأثرية، كما لها من المواقع، فالباحث سلمان يذكر أن هناك الكثير من المتروكات الأثرية المدهشة والمهمة جدًا، ليس على مستوى المملكة فحسب بل على مستوى الشرق الأوسط كله.

وفي ذلك الشأن يقول:" كثير من الباحثين الذين أتوا إلى هذه المنطقة ودرسوها، أعطونا معلومات مفصلة عن تاريخ هذه الأماكن، فعلى سبيل المثال أحد تلك المدافن التابعة لجزيرة تاروت جنوب الربيعية هي من المدافن التي تمت دراستها من قبل بعض الباحثين، ووجدوا فيها بعض المتروكات الأثرية التي تدل على أن جزيرة تاروت هي من الجزر التي لها علاقات تجارية وحضارية قديمة جدًا تصل إلى الألف الثالث قبل الميلاد".

وأضاف:" هذه العلاقات التجارية الواسعة التي تقوم بها هذه الجزيرة الصغيرة تثير الكثير من الدهشة والغرابة عند الناس؛ أن جزيرة صغيرة لها هذا الدور الكبير جدًا في العلاقات التجارية في بلاد الرافدين مع إيران، ومع الداخل ومع عمان ومع السند ومع الهند وهناك علاقات كثيرة جدًا تدل عليها بعض المتروكات".

واستشهد أيضًا بمواقع أخرى إلى جانب ذلك الموقع؛ منها فريج الأطرش وشمال جزيرة تاروت أي عند الزور ومنطقة الرفيعة إلى الجنوب.

مستوى عالٍ من الحضارة
وتعد تاروت منطقة مهمة جدًا على مستوى الشرق الأوسط من خلال المتروكات الأثرية من الأواني المصنوعة من الحجر الصابوني الكلورايت والأواني المصنوعة من المرمر والكثير من الأواني والمتروكات المرسوم عليها بعض الرسومات الهندسية والسنوريات والثعابين التي تدعو الإنسان الباحث إلى إيجاد تلك العلاقة بينها وبين الكثير من المتروكات الأثرية المشابهة لها تمامًا من إيران وبلاد الرافدين.

يشير الرامس إلى أن ذلك التنوع في المتروكات الأثرية خلق اعتقادًا عند الكثير من الباحثين بأن العلاقة كانت وطيدة جدًا بين تاروت والحضارات المحيطة بها وأن هذه السلع التجارية قدمت لهذه المنطقة، مضيفًا أن ذلك أوقع الاختلاف بين الباحثين فالبعض يرى أن هذه التحف المصنوعة من المرمر والمصنوعة من الحجر الصابوني قد صنعت في جزيرة تاروت والبعض يري أنها جلبت من الخارج، وأكد أنه في كلتا الحالتين يمكننا أن نستنتج عدة أمور مهمة جدًا وأهم هذه الأمور أن الإنسان في هذه الجزيرة وصل إلى مستوى عال جدًا من الذوق والحضارة بحيث إنه استطاع أن يصنع هذه التحف الأثرية المهمة جدا من المرمر أو أنه يقتني هذه التحف.

وقال:" كما أسلفنا أنه في كلتا الحالتين إما أنه صنع هذه التحف الأثرية المهمة الجميلة والتي درسها الكثير من الباحثين أو أنه جلبها من الخارج فاهتمام هذا الإنسان بهذا الصنف وبهذا النوع الراقي من التحف يدل دلالة كبيرة جدًا على المستوي الراقي من التحضر الذي وصل إليه هذا الإنسان قبل ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد أي في الألف الثالث قبل الميلاد تقريبًا".

تنوع
وذكر أن تلك الأواني من أهم المتروكات الأثرية، مبينًا أنه هناك متروكات أثرية أخري ومنها الجرار ومفردها الجرة والتي تستخدم في كثير من الأحيان في تخزين بعض الحبوب والزيت وغيرها من البضائع والسلع، وهناك التمثال المشهور تقريبًا طوله 94 سنتيمترًا وهو من التماثيل المهمة جدًا ويعود إلى الألف الثالث ق.م وهو مشابه تمامًا - حسب كلام المختصين - للتماثيل الموجودة في بلاد الرافدين، مشيرًا إلى أن ذلك يعطي صورة واضحة عن العلاقة الحضارية بين هذه المنطقة وبلاد الرافدين، موضحًا أن من درس هذا التمثال قد أصر على أنه صنع بيد تاروتية والصانع هو فنان تاروتي نحته في هذه المنطقة واهتم بتفاصيل مهمة جدا مما يدل على وصوله لمستوى عال من الحضارة والرقي.

وأضاف:" من المتروكات الأثرية أيضًا والمهمة على مستوى الساحل الشرقي تقريبًا هو شاهد قبر مكتوب بالكتابة الإغريقية، ويندر أن نجد كتابة إغريقية في الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية ووجدنا في جزيرة تاروت شاهد قبر معروف ودرس وهو موجود في الكثير من المصادر التاريخية والأثرية التي تكلمت عن آثار المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية وهذا يدل على عمق الاتصال ما بين هذه الجزيرة وبين مجموعة الحضارات المحيطة بها".

في الربيعية
تتابع الحديث عند الباحث الرامس حول آثار تلك الجزيرة، وكأنها واحدة من جزر الكنز التي نقرأ عنها في الأساطير القديمة، كلما خطت قدمك موقعًا كلما تعثرت في صندوق كنز جديد، فقد عاود الحديث عن موقع جنوب الربيعية وهو من المواقع التي درسها الأثريون واهتمو بها، منوهًا إلى أنه عند الرجوع إلى المصادر من الأمور التي رأوها هنا وانتبهوا لها أن هناك مقابر وهناك دلائل على ممارسة حرق الجثث في هذه المنطقة، ولا يدل على أن هناك بعض العادات القديمة أن تحرق جثث الموتى أو أنها قرابين للآلهة.

وأوضح أن المنطقة عبارة عن تلال بسيطة لا ترتفع كثيرًا عن سطح الأرض، مؤكدًا أن هذه التلال تحتوي على الكثير من الآثار في باطنها وهذه الآثار بعضها تمت دراستها وبعضها يحتاج إلى الكثير من العناية.

الشباب وتاريخ تاروت
وعن سؤاله حول ما هو واجب الفرد للحفاظ على هذه الأماكن أو الاهتمام بها بشكل عام؟، أجاب أن هذه المنطقة مثلها مثل أي منطقة في العالم أي فرد يعيش فيها لابد أن يهتم بمعرفة تاريخها القديم والحديث، وهذه المنطقة فيها آثار كثيرة ومتنوعة تجعل الإنسان يشعر بالاعتزاز إذا رأى وعرف يقينًا أنه جالس في منطقة لها تاريخها القديم ولها عراقتها ولها إنتاجها الحضاري المتنوع ولها مشاركات مع مجموعة الحضارات المحيطة بها.

وتمنى من الشباب أن يقرأوا أكثر في هذه الكتب والبحوث، كي لا يصطدموا بالمعلومات، مبينًا أنه من خلال ما يقرأ أو يكتب أو عندما يكون عنده ندوة يرى الشباب يتفاجأون من كمية المعلومات التي يقولها، بل أن بعضهم يعتقد أنه يقول كلامًا مبالغًا فيه -حسب وصفه-.

ووجه حديثه للشباب قائلًا: "يا شباب نحن عندما نتكلم لا نتكلم من فراغ بل نتكلم من خلال بحوث مختصة صدرت عن جامعات وهذه الجامعات والبعثات قد تكون دانماركية أو فرنسية أو أمريكية ولا نتكلم عن باحث تاروتي تكلم عن تاروت حتى لا نظن في ذمته، ولكن نتكلم عن أناس مختصين أجانب ليسوا من هذه المنطقة، وهؤلاء الباحثون لم يدرسوا تاروت فقط ولكن درسوا العجير وراحوا ثاج وراحوا قطر وراحوا البحرين وراحوا الكويت فدرسوا كل هذه المنطقة تمامًا وبعد ذلك أعطونا هذه القارير وقالوا إن جزيرة تاروت هي مركز دلمون وهي أهم مركز من مراكز دلمون؛ جزيرة تاروت وجزيرة البحرين وجزيرة فلجة جزيرة تاروت هي الأقدم".

وتابع: "وتمثل تاروت أقدم اتصالًا ببلاد الرافدين وبالكثير من الحضارات أكثر من غيرها من المراكز التي تسمع عنها، وهذا كلام أناس مختصين، أكدوا أن جزيرة تاروت تعتبر مخزنًا للبضائع القديمة وتعتبر مخزنًا لبضائع العالم القديم وشغلتها هي استيراد وتصدير هذه البضائع واستيرادها من أماكن كثيرة وتصديرها لأماكن كثيرة، وهذا أهم ما نستنتجه".

وأضاف أن في تاروت ظل 6000 سنة الإنسان يمشي على هذه الأرض وينتج إلى عام 600 مثلا ميلادي أو مثلا عام 1 هجري على عهد الرسول (ص) إلى القرن السادس والسابع الميلادي أو القرن الأول الهجري وجزيرة تاروت هي الأشهر على الإطلاق في استيراد وتصدير البخور أو المسك والكثير من البضائع المهمة حتى أصبحت يضرب بها المثل دارين المسك الداريني والكثير من الشعراء ما زالوا يتغنون بهذا المسك حتى القرن الخامس والسابع الهجري تقريبًا وهذا يدل على أن الحركة التجارية كانت مستمرة وتمشي على قدم وساق، ويدل أيضًا على موقعية وأهمية هذه الجزيرة.

بلدات:تاروت