أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

قمر على حمَّام تاروت 7-7

عبد العظيم شلي · القطيف اليومالجمعة 26 يوليو 2019، 8:51 م
قمر على حمَّام تاروت 7-7

قال لي ولدي محمد: هل تصدق يا والدي أن مسألة الصعود للقمر، عند الناس في أنحاء العالم "ففتي ففتي"، وذلك من خلال تصفحي عبر النت، ناس مقتنعة تمامًا وناس مكذبة الأمر جملة وتفصيلًا، ويقولون بأن الأمر مؤامرة، قلت له: من الصعب الجزم بهذه النسبة، لكني أصدقك الرأي بأن كثيرين غير مقتنعين بذلك، والمثير صدور تحليلات وتوثيقات بالأدلة والبراهين من أناس غير عاديين، لقد سمعت مقابلات لعلماء مختصين في علم الفضاء والفيزياء يفندون الهبوط على سطح القمر، فقط يؤكدون الاقتراب من مداره.

قال ولدي: في كتاب لعالم الرياضات الأمريكي الشهير "جيمس كراين" بعنوان (MOON HOAX) "خديعة القمر" صدر عام 1972، يثبت فيه أن الإنسان لم يصل إلى القمر، وأتبعه بكتاب آخر عام 76م، (WE NEVER WENT TO THE MOON ) "نحن لم نذهب بتاتًا إلى القمر"، وحديثًا في مقابله للبروفيسور "قرلي رنتر" عام 2017 مستشار الرئيس الأمريكي
(ترامب) للشؤون العلمية والتقنية، ينفي بشكل علني إمكانية وصول الإنسان إلى القمر بتحقيقات وأدلة، وأنت "يا يبا" ما هو رأيك الشخصي في مسألة الوصول للقمر؟

جاوبته بعد أخذ نفس طويل: يا ولدي عندي تساؤلات، قال: كيف؟ قلت له: انظر إلى جميع الصور الثابتة والمتحركة التي التقطت، وركز على رجال الفضاء وهم يتجولون وبجانبهم المركبة، لا تجد مسافة كبيرة بينهم وبين امتداد سطح القمر، وكأن خط أفق القمر قريب منهم، ولو صورت شخصاً في الصحراء أو عند شاطئ البحر، وجعلته بمستوى عينيك سوف ترى بعدًا أطول بكثير مما عرضوه لنا على سطح القمر، وليس معقولاً هذا امتداد أرضية القمر، أشعر كأنه امتداد غير كافٍ وغير مقنع بالمرة، قد أكون متوهمًا.

قال ابني: ربما كلامك فيه قدر من الصحة، وأقول لك أيضًا يا ولدي تساؤل آخر، وأنت مختص في علم الهندسة، لماذا وبعد مرور 50 سنة على رحلة "أبولو 11" وهبوطهم على سطح القمر، لم يصعد أناس غيرهم أبدًا، على الرغم من تقدم العلم على جميع المستويات وتجارب رحلات الفضاء مستمرة، وبعد عقود من الزمن لم يعلن لهذه اللحظة أن رجالًا آخرين هبطوا مجددًا، أجابني ولدي: لكني رأيت بعضاً من حجارة القمر معروضة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وكلما استرحت من عناء المحاضرات أتأملها، ليست كالحجارة العادية، وسألنا بروفيسور إنجليزي عجوز عن رحلة القمر قال صحيحة لكن الأمريكان بالغوا فيها كثيرًا.

قلت له: كل سبق علمي لابد أن يحمل ضجيجًا إعلاميًا وهذا شيء مفروغ منه، فما بالك بالصعود للقمر وهو يعد علامة فارقة في تاريخ البشرية، بالنسبة للحجارة قيل بأن رواد الفضاء جلبوا 21 كيلو جرامًا من الصخور وعينات من التربة القمرية، وتاجروا بها توزيعًا على جامعات دولية، ولا تنسى أن في تضاريس الأرض حجارة غريبة ليست كل الأعين رأتها، ويمكن الإتيان بها ونقول هذه عينة من القمر تشبه إلى حد ما حجارة الأرض، وأخبرك عما يدور في بالي، في السابق كنت متيقنًا بمسألة الصعود، الآن عندي بعض الشك، وهو أمر مشروع للعقل لمزيد من التحقق وعدم التسليم بكل شيء في الحياة، ولا تنسى أن العلم والمال والرياضة والدين والأخلاق كلها جيرت لصالح السياسة.

إيه يا قمر أخبرنا هل صحيح حطت أرجل بشر على سطحك؟ أم المسألة ترجمة لرواية "من الأرض للقمر" لمؤلفها جون ڤيرن عام 1865م حول مجموعة من أعضاء نادي المدفع قامت برحلة إلى القمر بطلقة مدفع صمم خصيصاً لهذه الرحلة التي تمت في القرن التاسع عشر، وطبقها أبناء العم سام بعد قرن من الزمان، برحلة حشدوا إليها الإعلاميين والصحفيين من كل مكان وكأنهم واثقون تمامًا من نجاح الرحلة، بخلاف الرحلتين السابقتين اللتين فشلتا فشلًا ذريعًا، وهنا يكمن سر خفي لماذا لم يدعوا أحدًا من قبل لمشاهدة واحدة من الرحلتين، وكيف جيشوا العالم وأحضروا بشرًا من كل مكان للاطلاع على الرحلة الثالثة، أما لم يخطر على بالهم إمكانية الفشل، أم ثقتهم الطاغية أعلنت عن نفسها بحتمية تحقيق الصعود مئة في المئة، كأن علم الغيب نزل عليهم من السماء بنجاح الرحلة لا محالة وعلى أكمل وجه، لذا حشدوا الإعلاميين من كل مكان، ما عدا الاتحاد السوفيتي ولا أحد من معسكره (حلف وارسو)، أصحيح "إن وراء الأكمة ما وراءها".

تساؤلات حائرة، ربما فعلت أمريكا فعلتها ونجحت بالتظليل، وكسبت الرهان ضد السوفييت، وليس من أجل العلم، وقالت للعالم بأن الرأسمالية هي الأقوى من البلوريتاريا، فلتسقط شعارات الطبقة الكادحة، وبالفعل وصلوا لغاية المبتغى أسقطوا المنجل والمطرقة، وندب العمال حظهم.

ترمق عيني في سوق تاروت عمال "أرامكو" النازلين من باص عبد الله هلال الأحمر، يستقبلهم أولادهم في وسط السوق، رأيت عمي عبد الرسول من بينهم وفي يده اليمنى "مطارة ماء بيدر" وفي اليسرى "سفرطاس"، حييته وأخذتها منه، لأنها الأخف من حمل "المطارة"، أمسك بيدي مبتسمًا وأدخلني دكان الحواج للأدوية الشعبية، محل يواجه حمام تاروت شرقًا، وقال للسيد: "شوف لينا دواء لولد اخوي، عن قراح اللي في رأسه"، وبينما نحن وقوفًا في المحل سمعت من أحد الجالسين، وهو رجل كبير في السن يتوكأ على عكاز، تحدث عن أناس من خارج الجزيرة حين شاهدوا صورة القمر مرتسمًا ليلاً على صفحة ماء الحمام، قالوا: "طاح قمرنا في الحمام يبوا لينا حبال نيره"، ضحك الجميع وانصرفت مع عمي أحك رأسي حاملًا الدواء.

وفي ليلة مقمرة جرت الصوت فرقة عبد الله سعود الشعبية وهي تزف ذاك العريس بعد أن صلى ركعتين في مسجد الحمام، وعلى أنغام الطبلة والطار شدت الأصوات "لبسوا عقلهم صبيان أهل تاروت لبسوا عقلهم، ما أدري طرب فيهم ما أدري لبس عيد، مروا الغواويص على الحمام بحلاهم، جيناكم يا نسوان ترفلوا بديرمكم وحناكم..."، و"يا معريس وعين الله ترى، القمر والنجوم تمشي وراء"، ومن خلف الزفة تعلو زغاريد النسوة وعلى رؤوسهن صواني شموع، واحدة تقول المعرس "چنه قمر"، جاوتها الأخرى "بالصلاة على النبي محروس بعين الله"، تخلفت عن الركب أم المعرس، نثرت ماء ورد من إناء مقروء عليه ورشته بين الجسر وجروف الحمام، وتركت صينية تنتصب فيها الشموع المضاءة ودفعتها تسبح في ماء الحمام، "سمرت" ببطء وهي تجاور انعكاس ضوء القمر، تلاشى صوت الزفة، رويدًا رويدًا رويدًا، صوت ناي يتهادى خلف العتمة، وفي ظلمة الليالي عمت الوحشة، اختفى كل ما هو جميل، صودرت المسرات من أماكن الفرح، وبقي منظر الشموع والقمر يسبحان في ماء الذاكرة.

بأنفاس لاهثة أبحث عن الأماكن التي جرت فيها تلك المشاهد بعد مرور نصف قرن، أستعيد ماضيًا جميلاً مع ضوء القمر، أماكن ذات بهجة ردحنا فيها عمرًا وعشنا فيها زمنًا بأمتع الذكريات، وأسعد اللحظات، أنظر ماذا؟ ارتد لي طرفي بأسف وحسرة كلها أصبحت أثرًا بعد عين.

أبث شكواي لك يا قمر السماء، وأسالك من الذي دفن حمام تاروت؟ وجفف ماء العيون، العودة والعوينة، وهرهر، المجاورات لقصر تاروت، يا قمر لاتدع بني الإنسان يصلون إليك ثانية سواء زعموا صدقًا أو بهتانًا وإفكًا، فقد عاثوا في الأرض خرابًا ودمارًا.

عمي، عمي "عبد علي"، ما زلت أسمع خطواتك في الدكان، تعال تعال خذ بيدي أرني مع الأصحاب انعكاسات القمر على صفحات الماء، فأنا ما زلت يا عماه مريضًا بالنوستالجيا ولا أريد أن أشفى منها.

بلدات:تاروت