أصدقاء كومبارس

الثلاثون من يوليو هو مناسبة الاحتفال بيوم الصداقة العالمي، وما أكثر المعاني التي خصصت لها الأيام المثيلة لما تحمله من مضامين تستوجب الوقوف عندها والاحتفاء بها عن صدق.
الصداقة هي واحدة من القيم السامية التي تحمل المعنى النبيل للأخوة الإنسانية الحقة بأجلِّ صفاتها وأصدق حالاتها التي تتجلى في المواقف المبرهنة على تأصل العلاقة وامتدادها، وإن اصطدمت بها العواصف، فهي تمر من خلالها بإرادة صلبة، وحصانة مانعة، مؤثرةً صون قدسية هذه العلاقة، مغلبة إياها على شيطنة النفس، وخوالج الأنا والتي لا ينفك منها المرء طوال حالاته الحياتية.
والسؤال هو: هل بقي من الناس من يتمسك بهذه القيمة الإنسانية؟ وكم بقي منهم؟ ومع من؟ وهل هي ثابتة أم متأرجحة بين تغليب وتغييب؟
أسئلة تكاد لا ترى لها أجوبة واضحة في هذا الزمن الرديء، والذي أخذ الناس حيث المصالح الآنية والذاتية، وعصف بها مثل ما عصف بغيرها وكل ذلك بأسباب أتفه من أن تذكر، لكنها جعلتنا وللأسف ننحني لها ونغلبها على ما هو أسمى وأنفع وأهم وأوجب، حتى مسختها من فطرتنا وأصالتنا.
الصداقة هي عنوان التآخي العميق، وهي التمازج الحقيقي للثقة المتبادلة، والصديق هو خليل الروح والعضيد في متاهات الحياة، الصديق هو السند الصلب، وهو الأمين والحميم، وإن صدف وكان ذا رحمٍ مثل أخٍ أو أبٍ، فنعمة الصداقة والأخوة والأبوّة والتي تنعقد بها الكمالات، فتنمو وتتأصل مع أي طرفٍ أحبته الروح، واستهواه القلب، وفضله دون غيره، حين اشترك معه في المسلمات من المبادئ والمثل، وتعاهدا تلقائياً على الأخذ بالظاهر الحسن أخذ الصدق، وغيبا عوارض الشك ومظان السوء، وقدما الثقة والاطمئنان، وحسن النية، ونقاء السريرة.
وكيف يكون ذلك، وغلبة النفس دائماً قائمة، فلا تكاد تركن لصديق حتى يفاجئك الزمن بانقلاب المفاهيم، وانفلات التآصر، إما لغيرةٍ أو سوء ظنٍ أو ريبة، فما إن يحضر الامتحان، إلا وترى الصداقة تهان بأبشع الصور، ويبدأ بنيانها يتهاوى فتحاول أن تدرك ما تستطيع، لتقيمه من جديد، ولكن لا تستطيع، فالطرف الآخر يُعمِـل معول الهدم خوفاً على ذاته، وغيرة على نفسه، فهو وأنا وأنت نرى أننا الأول دائماً والباقي في الطوفان، فمثلاً حين يتميز الصديق، نظن أنه قد استولى على ملكنا، ونهب حظنا من الدنيا، وما يضيرك لو كان لصديقك مكانة وحضور، فذلك فخرٌ لك، أفلا تريد له الخير كما لأخيك وأبيك وقريبك، وهو تماماً ما يفترض أن تتمناه له وتفرح وتفخر به وكأنه أنت، لا أن تدخلك الغيرة على نفسك من أن ينال من نصيبك، وهو ربما يملك ما لا تملك، ويتميز بما لا تستطيع أن تمتاز به، والله مقسم الأرزاق ومفضل بعضنا على بعض، وهو لا ينقص من نصيب أحد في هذه الدنيا إلا بأسباب.
وللأسف أيضاً أن أكثر ما يهدم الصداقات هو الوشاية والغواية والريبة والغيبة والنميمة، خاصة إذا ما تمكن الشيطان من أن يغلغلها في النفوس.
الصداقة الحقيقية ليست علاقة مؤقتة، ولا هي صحبة عابرة، تخضع للهوى والمزاجية، والصديق الحقيقي ليس بعابر سبيل، بل هو الخليل الأقرب، والصديق وقت الضيق، وهو الرفيق في الحضر والسفر والطريق، وهو الوحيد الذي يمكن أن تفتح له صدرك، ويفتح صدره لك، وهو الذي تأنس بقربه أكثر من أقرب أقربائك، والصداقة الحقة لا تتلون أو تتبدل كما الأجواء والأنواء، وهي ليست عرضة للملل والزعل والانتهاء، بل هي تتأصل كلما تقادمت، وتتجذر كلما امتدت، عاصفة بكل ما يمر عليها من كدر وضجر وحذر.
إن من يسقط الاعتبارات، ويضحي بالترابط والتماسك، غير جدير بأن يكون صديقاً حقيقياً، كالذي يتخذ من الصداقة تسلية مؤقتة وتعبئة فراغ، تركه شخص آخر، فاستعاض بغيره، ليبدله به كيف يشاء، ووفق إرادته وهواه.
هذا الإنسان لا يضر بمعنى الصداقة وقيمها، إنما هو يضر بنفسه، ويفقد ثقة الناس فيه لأنه في النهاية سوف يتفاجأ بعزوفهم عنه شيئاً فشيئاً حين يكتشفون أنهم كانوا أصدقاء كومبارس فحسب.



