نصائح غير مختصة في القطيف تحول اختصاصيين لـ«أصدقاء النفسية».. وعلاج 1000 حالة

وجد اختصاصيان نفسيهما أمام مواجهة للتصدي للنصائح والإرشادات النفسية التي تصدر من غير المختصين لأناس قد يكونون بأمسّ الحاجة لذلك النوع من النصائح، سيما بعد ظهور المدعين في مجال البرمجة العصبية وغيرها ممن يمارسون الدور النفسي والاجتماعي بشكل غير مسؤول.
ولأن التشخيص النفسي الخاطئ له خطورته التي لا يمكن تجاوزها كأي خطأ طبي عضوي بل وأكثر من ذلك أحيانًا؛ أطلق الاختصاصي النفسي فيصل آل عجيان وغالية الجمال ملتقى نفسيًا يهتم بذلك.
ومع مرور القليل من الوقت وجد الملتقى نفسه مرسمًا، أي أنه صار مكانًا رسميًا معتمدًا من وزارة الصحة، وأصبحت القطيف بأكملها تعرفه تحت اسم "مجموعة أصدقاء تعزيز الصحة النفسية"، وأصبح مرتادوه من مختلف أطياف المجتمع، أناس قادتهم ظروفهم لتلقي النصح والإرشاد وحتى العلاج في عدد من الجوانب، ما بين النفسية والاجتماعية والسلوكية وحتى المشاكل التربوية أو الأسرية.
في حديث «القطيف اليوم» مع مؤسس المجموعة، وصاحب يد السبق في إطلاقها الاختصاصي النفسي فيصل آل عجيان أوضح أن ظهورهم كمجموعة مختصة في هذا المجال جاء انطلاقًا من الإحساس بالمسؤولية المضاعفة تجاه العلم وأمانته، وكل مريض أو من يمر بمشكلة نفسية أو اجتماعية، حتى كانت ترتيبات "الملتقى النفسي الاجتماعي"، الذي تكون تقريبًا عام 1432هـ، وبدأ به وغالية الجمال.
وقال: "أصبح الملتقى بعد ذلك يضم 37 اختصاصيًا وعددًا من الكوادر، وظل على هذا الوضع 4 سنوات إلى أن تمت الموافقة الرسمية على تشكيله، واختار له المؤسسون اسم "مجموعة أصدقاء تعزيز الصحة النفسية"، وهذا كان من اقتراح اللجنة الوطنية لتعزيز الصحة النفسية، التي يرأسها الدكتور عبدالحميد الحبيب، وهو الأمين العام لها، وهي مشكّلة بقرار وزاري".
تثقيف نفسي
بدأت المجموعة دون مقر، ولكن الاحتياج الملموس هو ما دفعهم إلى التحرك لخدمة المجتمع بشكل منهجي مدروس.
يقول آل عجبان: "ما جعلنا ننطلق أننا لمسنا الحاجة الميدانية إلى وجود اختصاصيين نفسيين خارج إطار العيادة النفسية، وكان الخلل حينها ليس قلة الاختصاصيين النفسيين، وإنما عدم وجودهم بشكل واضح في المجتمع، وغالبًا من يذهب إليهم في العيادات قلة قليلة جدًا، وكان دورهم محدودًا ومحصورًا في الذين يراجعون المستشفى".
وتابع: "كانت الفكرة هي أن نعلن عن مجموعة تنشط في هذا المجال بالتثقيف عن طريق المحاضرات والاستشارات، والتعريف بمفهوم العيادة النفسية، وما يقوم به الاختصاصي النفسي، ولم نركز فقط على الجانب المرضي، ولكن أيضًا على جودة الحياة النفسية بشكل عام، حيث تتضمن المحاضرات جوانب متعددة، بالإضافة إلى الجانب الرسمي في المستشفيات، مع عدم اشتراط ذكر الاسم، حتى لا يحرج الشخص".
مساندة عن بُعد
وعادة ما تحمل البدايات صعوبات وتحدٍ، وبالنسبة لـ"مجموعة أصدقاء تعزيز الصحة النفسية"، فقد كان عدم وجود مقر للمركز أبرز العقبات التي واجهتهم، وهو الأمر الذي اضطرهم للتوجه الإلكتروني - كما يوضح آل عجيان - فقد بدؤوا بالمساندة والاستشارات النفسية عن بعد، والاستبيانات الإلكترونية، والاختبارات النفسية الإلكترونية أيضًا، ووضع خطط وبرامج علاجية أيضًا إلكترونية، كما اتجهوا للمساندة النفسية بالهاتف أو الواتساب أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأشار إلى أن هذه الطريقة لها مميزاتها وعيوبها؛ موضحًا أن من مميزاتها أن الجانب الإلكتروني ليس له حدود، فكانت تأتيهم استشارات من داخل المملكة وخارجها، وكانوا نشطين جدًا ويستقبلون أعدادًا مهولة من الاستشارات، توزع على الاختصاصيين ليجيبوا عليها.
وتابع قائلًا: "أثار ذلك جدلًا بين المختصين، فبعضهم قال إن هذه الاستشارات غير صحيحة لأنها عن بعد، وكانوا رافضين فكرة القياس النفسي أو تقديم مساندة عن بعد".
الرفض وعدم القبول استوجب الرد من المجموعة، إلى ذلك يقول الاختصاصي فيصل: "إن بداية المساندة الصحية كانت عن بعد في الستينات، حينما أطلقت "ناسا" رواد فضاء كانوا يحتاجون مساندة طبية عن بعد، واليوم هناك عمليات جراحية تقام عن بعد، وأغلب الجراحات الدقيقة كجراحات العين أغلبها يقوم بها روبوت، وليس هناك جراحة بالمعنى التقليدي، وهذا الجانب الجسدي، فما بالك بالجانب النفسي الذي هو أسهل، وهناك منظرون كتبوا في هذا المجال".
وأكد أن هناك تجارب مكتوبة ومرصودة من عدد من علماء النفس مارسوا المساندة النفسية عن بعد، والتي تفرضها الحاجة أيضًا، مشيرًا إلى أن هناك جزءًا كبيرًا من الناس لا يرغب في القدوم إلى العيادة بناءً على الرغبة في السرية أو عدم الانتظار أو عدم كشف الاسم وما إلى ذلك.
سلبيات البُعد
وبيّن أن من سلبيات المساندة النفسية عن بعد أن جزءًا كبيرًا من الاختصاصيين النفسيين غير متقن لهذا الجانب، منوهًا بأنها تحتاج ممارسة بعض الفنيات التقنية، فهي مريحة للمريض أكثر من الاختصاصي الذي يجب أن يعطي المريض بعض الواجبات والكتب ليقرأها، فيجب أن تكون الروابط جاهزة لديه، من التمرينات الصوتية والفيديوهات، وأيضًا تصحيحها قد يأخذ وقتًا وجهدًا، فالاختصاصيون أغلبهم يميل إلى المساندة النفسية في العيادة.
سنة ونصف عن بعد..
بعد سنة ونصف السنة أصبح للمجموعة مقرها وصارت تستقبل الحالات فيه، إلا أن المساندة النفسية عن بعد ظلت موجودة وإن كانت بصورة قليلة جدًا، فأغلب المتطوعين من الاختصاصيين يرغبون في قضاء الوقت مع المريض في المركز ثم يغادرون، فقلت المساندة عن بعد كثيرًا، وأصبحوا بين فترة وأخرى يوكلون الموضوع لبعض الاختصاصيين ثم لآخرين وهكذا.
يقول آل عجيان: "استمر جانب العيادة وزاد عدد الحالات عن الماضي لأكثر من 1000 حالة، وبالنظر إلى أنه عمل تطوعي، يعتبر هذا الرقم ضخمًا جدًا، وذلك بالإضافة إلى المحاضرات والمؤتمرات".
شراكة مع التعليم
أقامت المجموعة في العام الماضي مؤتمرًا بالشراكة مع وزارة التعليم يستهدف المرشدين الطلابيين ومدراء المدارس في القطيف، في مكان يستوعب 6000 شخص، واستمر لمدة يومين، وقدم فيه الاختصاصيون النفسيون التابعون للمجموعة مادة ثرية عن الوقاية من التحرش والتعامل معه، وآليات الردع والتبليغ، وطرق مساندة الضحايا من الطلاب، كما أنها تقيم بين فترة وأخرى محاضرات أسبوعية ومؤتمرات وملتقيات.
استشارات
وعن الاستشارات التي تتصدى لها المجموعة قال: "نقدم استشارات للأهل حول التربية ومشاكل الأطفال، ومشاكل الزواج، ودورنا ليس إصلاح ذات البين، ولكن إذا جاء الطرفان مع بعضهما نعتبرهما حالة تريد التوافق ونضع لهما مقاييس ونرى هل يمكن حل مشكلتهما الزوجية أم لا، وقد نعتمد على خطة إعادة تعليمهما كيفية إدارة المشكلات الزوجية وكيفية نقاشها والانتهاء منها في نقاط محددة، ونضع مقاييس لرصد التحسن، ومقاييس ختامية لإقفال الحالة".
وأكمل: "أيضًا لدينا اختصاصيو التربية الخاصة يقومون بدورهم في وضع خطط فردية من التشخيص والتعامل مع الحالة وعلاجها".
هاتف الصُمّ
أولى "أصدقاء الصحة النفسية" اهتمامًا بذوي الاحتياجات الخاصة، حيث تولى مجموعة من الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين جزء التربية الخاصة، وصعوبات التعلم، ومنهم مختصون في سيكولوجيا الإبداع، واضطرابات النطق، والصم.
ومواكبةً لعصرنا أطلقت المجوعة مبادرة جديدة من نوعها، هاتف استشاري للصُمّ، يقدم الاستشارة النفسية للصُمّ اختصاصي لغة الإشارة حسين الربح، بالإضافة إلى الدورات التي أعطيت للمختصين في لغة الصُمّ.
مجانًا
يقدم المركز محاضرات أسبوعية في المجالات، بالشراكة مع جمعية العوامية الخيرية ولجنة القطيف الأهلية للتنمية الاجتماعية، كما ينظّم فعاليات في مراكز التسوق وغيرها، تلك المحاضرات والورش تقدم مجانية.
وفي هذا الخصوص علل آل عجيان أن خدماتهم المجانية جاءت من اعتبارهم أن ذلك جزء من رسالتم لأنه عمل تطوعي خيري.
وقال: "جزء من رسالتنا هو تثقيف المجتمع وتقديم مادة جيدة موثوقة من خلال مختصين بدوام جزئي أو محاضرات جزئية".
1000 حالة
وفي ختام حديثه، كشف آل عجيان أن المركز قدم استشارات لأكثر من 1000 حالة خلال العام الماضي، وتصدرت مشكلات آثار ما بعد الصدمة الحالات المراجعة لهم، الجزء الأكبر منهم أطفال ويأتي بعدهم النساء، وأخيرًا عدد من الرجال.



