الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وألّو استقاموا على الطريقة

د. عبد الجليل الخليفة · القطيف اليومالجمعة 27 سبتمبر 2019، 7:38 ص
وألّو استقاموا على الطريقة

تحدثنا في مقالة سابقة عن رحلة الإنجاز نحو الكمال (كفاءة ومثابرة واستقامة ولذة الفريق)، وحيث إن العلم أساس الاختراعات والمنتجات، والثقافة قاعدة مسؤوليتنا تجاه الخالق والطبيعة وأخينا الإنسان، والمثابرة تطبيق العلم والثقافة على أرض الواقع، فما هو دور الاستقامة؟

إن الفساد المالي والتلاعب في القوائم المالية أفلس بشركة إنرون (ُEnron)، وبالمضارب المالي برنارد مادوف في البورصة العالمية وبالكثير من الشركات والمؤسسات في أقطار العالم، وهناك الكثير من الشركات تعاني من الخسائر بسبب التلاعب وعدم أمانة الجهات التنفيذية والسبات الشتوي لمجالس الإدارة. وتقدر تكلفة الفساد المالي العالمي بمئات البلايين من الدولارات سنوياً في العقود والمشتريات والمبيعات والاستحواذات، مما ينعكس سلباً على مسيرة التطور والحضارة الإنسانية.

ولمعالجة هذه المخاطر، أسّست الشركات وأسواق المال والبورصات العالمية الكثير من الدوائر الرقابية الداخلية والخارجية، وتصدّرت الأمانة قائمة القيم داخل الشركات وعقدت الكثير من المؤتمرات وورش العمل للحديث عنها وعن الشفافية، وطلبت الشركات من جميع الموظفين توقيع تعهد عدم تعارض المصالح وتعهد السلوك السليم (Code of Conduct).

أما على مستوى الأفراد، فالأمر لا يقل خطورة. أتذكّر أحد العلماء الرواد المشهورين عالمياً أنه بينما كان يستقل دراجته العادية من مسكنه إلى الجامعة اصطدم بشجرة وهوى في الوادي وفارق الحياة، ثم تبين بعدها أن هناك دعوى قضائية أقامها عليه أحد طلبته متهماً الأستاذ المشهور بممارسة الشذوذ مع ابن الطالب.

إن بريق المال والشهوة والجاه يسرق القلوب ويعميها عن المبادئ والأخلاق، إنها الرقابة الذاتية الداخلية التي غابت فأفسدت رحلة الإنجاز وأضاعت بوصلة المسيرة! والسؤال المهم هو كيف يضمن الإنسان أنه بعد التحصيل العلمي والثقافي والمثابرة لا ينتكس؟ أي كيف نعزز البوصلة ونضمن سلامة الاتجاه؟

إن كانت العقيدة توجه الإنسان نحو خالقه والتشريع يقنن له علاقته بربه من خلال العبادات وعلاقته بالآخرين من خلال المعاملات، فإن كل هذا لا يضمن سلامة التطبيق والرقابة الداخلية، إن بريق الشهوة واللذة السريعة تتغلب أحياناً على الأهداف البعيدة فيبحث الإنسان عن مبررٍ قانوني وشرعي ليتحايل به على القانون والضمير، من هنا، نرى أن من يكتب القانون يتحدّث دائماً عن احترام روح القانون وليس فقط اللفظ. أتذكر أحد رؤسائي حين كان يقول: "إذا حدّثت نفسك بعمل ما فتصور أنك تعمله أمام الناس، فهل ستستمر في عمله أم لا؟".

ماذا تعني الاستقامة في عالم المال والأعمال؟
• قمة النزاهة والشفافية وأداء الأمانة للبر والفاجر والانضباط في العمل.
• قمة العدالة وتكافؤ الفرص وإعطاء كل ذي حق حقه.
• الكفاءة دون استقامة لا تحقق الإنجاز، بل هي سبب الفشل والخسارة، لذا تعمد الشركات للبحث عن خلفية المتقدمين التاريخية قبل تعيينهم في المناصب العليا للتأكد من سلامة سيرتهم من الانحراف المادي والفساد الإداري والأخلاقي.
• على المتقدمين للعمل في الشركات أن يدرسوا ثقافة الشركة وتاريخ مسؤوليها للتأكد من استقامة الشركة المالية والإدارية قبل الالتحاق بها.
• على من يرغب مشاركة الآخرين في تأسيس الشركات والأعمال دراسة تاريخهم واستقامتهم والتأكد من نزاهتهم.

ماذا تعني الاستقامة في عالم الأفراد والمجتمعات؟
• قمة التقوى والعفة والشرف والصدق والنزاهة والأمانة والحب للآخرين.
• عدم استغلال الجاه والمكانة للحصول على مكاسب ماليةٍ غير مشروعة أو إقامة علاقاتٍ تخرق القيم الاجتماعية.
• القيمة الاجتماعية ليست بالمسميات وإنما بالاستقامة والتقوى.
• الاستقامة جوهرة ثمينة فلا تباع بأبخس الأثمان كالمال والشهوة، فعلى الأبناء والبنات صونها والحفاظ عليها لأنها مطلوبة وأساسية لحياة الفرد ولأصحاب المال والأعمال: "إن خير من استأجرت القوي الأمين"، ومن تزل قدمه، فعليه الرجوع للاستقامة قبل فوات الأوان.
• الحذر من الانسياق وراء المحتالين في وسائل التواصل الاجتماعي وغيره.

إن قلب الإنسان بحرٌ متلاطمٌ تصب فيه أنهارٌ ثلاثة:
• نهر العقل المطمئن بالعقيدة ومصدر التشريع.
• نهر الجوارح العاملة بالتشريع كما وضعه الخالق.
• نهر النفس اللوامة التي تراقب الإنسان فتضمن الاستقامة في جادة القانون.

وحين نضمن صفاء هذه الأنهار الثلاثة وعذب مائها يعم الخير والرفاه: {وألّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقًا}، ونأتي الله بقلوب سليمة: {إلا من أتى الله بقلبٍ سليم}.