الفجور في الخصومة

العلاقات الإنسانية في تاريخ البشر تمر بمراحل مختلفة، قد تصل فيها إلى هرم المجد، وقد تكون هاويةً في مرحلة أخرى، وقد تكون بينهما في مرحلة ثالثة.
للعلاقات الإنسانية أسباب مختلفة؛ منها الرحم، والزواج، والمدرسة، والعمل، والقرب السكني، والمصالح، والحب العفوي، والصدفة، فضلًا عن إرادة السماء، وسواها، قد تكون علة هذه العلاقات فردية، وقد تكون مركبة من أكثر من سبب.
ذكرنا أن هذه العلاقات لا تخلو من مستويات مختلفة في تاريخها الإنساني؛ فالإنسان بطبعه متقلب من جهة، كما أن قناعاته ومبادئه قابلة للتغيير، فضلًا عن أن الظروف تفرض نفسها أحيانًا، إضافة إلى الحسد، والحقد، وضعف الوازع الديني؛ نتيجة المقارنة مع الآخر عند البعض، علاوة على المؤثرات الخارجية، وارتفاع سقف المصالح، ولغة الأنا، واختلاف مسارات التفكير، واختلاف العادات والتقاليد، وربما اختلاف الرؤية والأهداف، والتجربة.
بلا شك أن الاختلاف بين الناس سنة كونية طبيعية لها إيجابياتها، كما أن لها سلبياتها المتعددة.
قد يكون الاختلاف تحت مبررات مقبولة، وجديرة بالاحترام في جزئياتها، وقد يكون تحت مبررات مهضومة نسبيًّا، وقد يكون بلا مبررات مطلقًا، وإنما وليد نفس ملوثة.
وفي كل الأحوال ماذا يجب على المختلفين تجاه بعضهم في هذه الحالات؟! بلا شك أن الأصالة، وحسن التربية، ونوع التنشئة، وجهاد النفس، وقوة الوازع الديني، والذوق، وحسن الخلق، والسماحة، والثقافة، والمحيط الداخلي والخارجي يلعبون دورًا رئيسًا عند الاختلافات.
إن معادن الناس الحقيقية وجوهرهم الخاص يبدو جليًّا في هذه المرحلة بالذات.
ولعلاج الاختلافات بحكمة بالغة وبفائدة ملموسة نرى اتباع الخطوات التالية:
أولًا: الحلول الودية بين الطرفين فقط، ويكون ذلك في بداية الأمر، وعندما لا يتعدى الاختلاف الخطوط الحمراء كالعرض أو الدم، ويبدؤون بطرح المشكلة وعلاجها بموضوعية مجردة، وإن تعذر ذلك يحسن اللجوء إلى المرحلة الثانية.
ثانيًا : الحلول الودية المجتمعية، وهو إدخال الطرفين أطرافًا أخرى من الجانبين تكون أهلًا للمسؤولية، ومن ذوي الاختصاص، ومن أهل الحل والعقد، والقرار السديد، ويكون رأيهم نافذًا على الطرفين، إن كان عادلًا وموضوعيًّا، وفي حال تعذر ذلك يلجؤون للخطوة الثالثة.
ثالثًا: اللجوء للقضاء وللجهات المختصة وذات العلاقة؛ لفصل الخطاب وإنهاء الموضوع جملة وتفصيلًا.
أما ما نجده الآن من البعض تجاه من يختلفون معهم من تعدٍ سافر ومقيت يتنافى مع الدين، والمروءة، والذوق، والأدب، فما هو إلا انعكاس لتاريخ مظلم، وتنشئة خاطئة، وفقر تربوي، وفقدان لأبجديات الأصول الأخلاقية الاجتماعية.
الحروب والمعارك لها أصول وآداب في تاريخها القديم والحديث، فما بالك بالحروب النفسية الداخلية التي يستطيع الإنسان التحكم فيها!
لا أحد من الناس عاجز عن امتلاك الوسائل الرخيصة للقذف، والبهتان، والتسقيط، والتشهير، والتربص، والابتزاز، وتلويث السمعة، والتشفي، والشماتة، هذه الأبجديات يتقنها الأمي قبل المتعلم، والجاهل قبل العالم، والوضيع قبل الشريف، غير أنها مذمومة في كل الأديان، والمذاهب، والآداب التربوية.
الفجور في الخصومة أعلى صفات المنافقين في المجتمعات، وهي أم الرذائل وسيدتها، وما ذريعة أحد الأطراف من أن ممارساته الخاطئة في الفجور في الخصومة تحت مبرر الترويح والتفريج عن النفس إلا مرض نفسي وأخلاقي تجذر في عقله الظاهري والباطني، بحيث أصبح أسيرًا لتقلبات نفسه الممتلئة حسدًا وحنقًا على الناس، فضلًا عن خبث السريرة.
الفجور في الخصومة أدنى مستويات الانحطاط الأخلاقي، وأقبح صفات المتلونين، وهو عمل مشين بكل المقاييس في تاريخ الإنسانية كله.
لو كان صاحب الفجور يمتلك ذرة من إيمان، أو خلق لآمن بقوله تعالى: ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) وآمن بأن لكل أجل كتاب، وأن القيامة آتية، وعند الله تجتمع الخصوم، وأن ربك يمهل ولا يهمل، وإن ربك لبالمرصاد، واتخذ الإجراءات الصحيحة النظامية والأخلاقية غير المتنافية مع الأدب والمروءة في علاج اختلافه الحقوقي أو غير الحقوقي مع الآخرين.
الشخص الذي يختلف مع آخر فيفجر في الخصومة ويمارس أدهى وسائل المكر، والخداع، والأذى ظانًّا أن ذلك منقبة أو فضيلة؛ لن يكون محل ثقة من أحد يومًا، ولن يكون جديرًا بصحبةٍ قط، فضلًا عن الشراكة أو سواها.
العقلاء يتورعون كثيرًا عن الدخول في متاهات الأنا والفجور، ولو دفعوا ثمنًا باهظًا؛ اعتقادًا منهم أن هذه المستويات من الأخلاق لا تليق بغير الإنسانِ طرفة عين، فضلًا عن الإنسان، وأنها معاول هدم اجتماعي بلا حدود، وأنها العلة الأساس لانتشار ثقافة الفوضى والتعدي والعبثية.
وعليه؛ ينبغي علينا جميعًا الابتعاد عن هذا المستنقع القذر بلا حدود، وتجنب رواده وساكنيه؛ مخافة أن ينالنا بعض التلوث من حيث ندري، ومن حيث لا ندري، ومخافة أن تسود ثقافة السلب على الإيجاب وتتحول إلى ظواهر اجتماعية هدامة لكل جميل.



