في القطيف.. الغريافي مؤرخ صنعته الصدفة وحفظ ذاكرة المكان بالصورة والكلمة

الذاكرة الشفهية، هي تلك القصص التي يتناقلها أبناء منطقة جيلًا بعد جيل، وهي الأسهل والأقرب للحياة الإنسانية، أما حفظ ذاكرة المكان، بكل انطباعاته، وحواريه، ورائحته، فأنت تحفظ للمكان حياته، ومن حيث لا يدري بدأ ابن القطيف عبد الرسول علي الغريافي حفظ وتسجيل ذاكرة المكان، سجلًا حضاريًا للمنطقة، نخيلها وأوديتها، ملابس أهلها وأهازيجهم، لتفتح هذه السجلات وكأنك دخلت آلة الزمن لتعود إلى تلك البقعة المحببة عند الشيوخ والشباب على حد سواء، فالأولون يأخذهم الحنين إلى الزمن الأول، والشباب يريدون الوقوف على تلك الحياة كيف كانت.
«القطيف اليوم» تفتح آلة الزمن التي اختزلها "الغريافي" في تدوينات معطرة بكل تفاصيل الزمن الجميل لمنطقة القطيف.
البداية كراسة
لهجة تختلف عن لهجته الأم، يأتي بها أولئك التجار، كانت الخيط الأول الذي التقطه "الغريافي"، ليسير وراء عشقه للغة، ومهنة أهله كانت قريبة الالتصاق بعالم التجارة، والسفر، والنقل، فهم كانوا يتاجرون في أعلاف الحيوانات، والأسمدة، خاصة ما يعرف بـ"العومة".
ويقول: "في البداية الوالد -رحمه الله- يمول السوق بهذه البضاعة، حيث يجلبها من عُمان، ودبي، والبحرين، وكانت بينه وبين أخيه رحلات متناوبة، بين الشتاء والصيف، إذ كان دوره في الشتاء، وأما في الصيف، فيتولى العم -رحمه الله- رحلة ما تعرف بـ"الصرام"، وهي تصدير الرطب إلى دول الخليج، التي كانت وقتها تفتقر إلى الرطب، وكذلك اهتمامهم بالزراعة، فكنت أراقب أشياءً تبدو لي جميلة جدًا، حيث إن ممارسة الأهل لهذه التجارة والبيع، تتطلب تعاملًا مع شرائح مختلفة من المجتمع، ومع أصحاب مهن مختلفة، وكذلك زبائن من مناطق، ومدن، وقرى متنوعة، جعلني أنتبه لطرق التعامل المختلفة، وتمييز اللهجات المختلفة، من مناطق القطيف والأحساء والدمام، وكذلك لنوعية البضاعة، التي يحتاجها البحار، لصيد الأسماك، أو الفلاح لنوعية الأبقار، وما يحتاجه المزارع، لتسميد مزرعته، ونوعية ما يطلبه أهل الأحساء، والدمام لاستهلاكه في الأكلات المعروفة عندهم بـ "الودمة أو الإدام"، وأيضًا الفرق في التسميات بينهم، وبين تسميات القطيف، والخليج.
وأضاف: "ولفت نظري ذلك للانتباه إلى اللهجات، حيث كنت أميز كل زبون، من أي منطقة هو قادم، وما يحتاجه بالإضافة إلى التعامل مع جنس الزبون، فاختيار المرأة للبضاعة يختلف عن اختيار الرجل، كل ذلك اضطرني لأن (أتسلى) بأن أحتفظ بكراسة، أسجل فيها كل شاردة وواردة".
حكاية التدوين
ومن هذه اللقطات العابرة بين غادٍ وآت، إلى مجلس يجتمع فيه أهالي الحي، كبر الفتي ووصل إلى المرحلة الثانوية، كانت هناك بحوث، عانى منها كثير من زملائه، بينما كان يراها مجرد تسلية، لأنها كانت عنده جاهزة ومدعمة بالصور، ما جعله يتلقى تشجيعات كثيرة من أساتذته.
ويقول عنها: "تلك الاهتمامات، ما كانت إلا نتاج تأثري ببيئتي المحيطة بي، بدءًا من منزلنا إلى مهنة الأهل، مرورًا بالأسواق، وكذلك حصولي على آلة تصوير (كاميرا) في سن مبكرة كمكافأة لنجاحي، من الصف الثالث الابتدائي، فبيتنا كان خلية نحل، يفد إليه كثير من أهالي الحي للاجتماع فيه كل ليلة، وهو ما نطلق عليه "ديوانية"، ويتخللها مجلس ذكر ليلة كل أسبوع، بالإضافة إلى وجود ملحق (فدى) يستفيد منه أهالي الحي، في طبخ ولائم الزواج، وتناول الوجبة فيه (العومة)".
الأخضر والأزرق
ولكن متى كانت هذه الأحداث، وإلى أي عصر يريد أن ينقلنا "الغريافي"؟ سرعان ما أوضح أنه زمن نهاية القرن العشرين، وخصوصًا السبعينات، الذي بدأ فيه طفولته وما بعدها، كان حافلًا بالأحداث والتغيرات السريعة، ولم يكن هذا التغير مقتصرًا على هذه المنطقة، وإنما كان على مستوى عالمي، فبعد الستينات كانت هناك ثورة عارمة متمردة في عالم الاختراعات والتقنيات، وحتى في الموضات وكانت بداية عولمة بدائية (لا تقارن بعولمة عصرنا هذا)، ولذلك أي اختراع أو جهاز يظهر على الساحة، يكون له صداه وتأثيره على المجتمع، إضافة للحياة البيئية الجميلة البكر، حيث اتصال الشريط الأخضر الزراعي، بالشريط الأزرق البحري والأسواق التقليدية وبضائعها الملفتة للأنظار، فكان لكل اختراع يومها صدى مدوي، يدوم لوقت طويل، يستمتع به من يقتنيه بشكل ألذ مما هو عليه الآن.
كاميرا الأسواق
كانت الحياة تسير هانئة، حتى بمشكلاتها، ولكن الثبات على الوضع يصنع كثيرًا من الإبداعات، فهكذا كان حاله، حتى وصل إعصار التغيير، بإزالة بعض الأسواق والأحياء في القطيف، جعلته متأثرًا جدًا بفقدها، وكأنها جزء منه، مع ملاحظته لما يفعله الأجانب، من توثيقات عن طريق التصوير الفوتوغرافي ، لذلك عندما حصل على تلك الكاميرا، وجهها صوب معالم المنطقة، دون أن يشعر بذلك أحد، فكان يصور مَنْ هم حوله مجاملة فقط، ولكن في الواقع كان اهتمامه صوب التوثيق للمكان أكثر من الإنسان، وهو ما كان يخفيه عن الناس، لكي لا يلومه أحدهم، أو يتهم بالإصابة بالعقد النفسية، فوثق الجانب المعماري، والمهن، والحرف، والأسواق، والعادات والتقاليد، والحياة الزراعية، والحياة البحرية، وعيون السيح، وأنظمة الري والمياه وأنواعها، والعديد من كل ما حوته البيئة القطيفية من كل واردة وشاردة.
صفحات السجل
لم يكتفِ بتلك الصور التي يلتقطها، ولكنه عاد إلى كراسته الأولى، ليطور من فحواها، وبدأ تدوين كل ما يلاحظه أثناء التعامل في البيع والشراء عند الأهل، وكأنه يستحضر روح أحد المؤرخين القدامى، فهكذا كانوا يسجلون تاريخ البلدان التي يمرون عليها، بدأه بشكل بسيط، وهو الاكتفاء بتدوين بعض الملاحظات خلف كل صورة، كالتاريخ، والمكان، أو المناسبة، بعدها وجد نفسه يحتاج لمعلومات أكثر لتدوينها خلف الصورة، مع ملاحظة أن ما يكتب خلف الصورة، قد يشوهها ويؤثر على محتواها.
ويقول: "لجأت عندها إلى الاكتفاء بتدوين رقم خلفها، ثم نقله إلى صفحات سجل مستقل، أكتب فيه التفاصيل عن تلك الصورة، وشيئًا فشيء، تحولت الصورة إلى بحث كامل، فمثلًا تصوير مجموعة من البنائين، يتطلب مني معرفة بعض المصطلحات والمسميات، وتفاصيل في طرق بناء بعض الأجزاء، وهكذا بالنسبة لمعرفة ما يقوم به البحار صاحب الساليه، أو صاحب الغزل، وهذا أيضًا يقودني إلى مَنْ يصنع تلك الشباك، فأذهب لزياراتهم وألاحظ طرق صناعتها، والتعرف على أجزائها، والأدوات المستخدمة في صناعتها، وهكذا وجدت نفسي في معمعة بحوث متواصلة غير منتهية".
فنون إضافية
لم يتوقف شغف التدوين عند حد الكاميرا والقرطاس والقلم، بل ترك "الغريافي" نفسه لكل ما يجتاحه من طرق للتدوين، فهو مرة نحات، ومرة مصور، ومرة كاتب، فلا يهم، المهم أن يسجل ذلك الواقع قبل أن يندثر، مهارات اكتسبها أثناء الدراسة، أو عن طريق المحاولات والملاحظات، فقد اكتسب فنون النحت والحفر، حيث اتجه للنحت والحفر على الأخشاب والجبس، وتطويع بعض المعادن، وهذا النوع من الهواية، سخره لأجل هواية أخرى وهي الفنون الاثنوجرافية، وهي فنون متحفية، تقوم بتجسيد أنثروبولوجيا المجتمع (أي وصف الحياة الاجتماعية التقليدية من عادات وتقاليد ومهن تقليدية) وهذه التي يعرفها البعض بالتراث، ولكنها جزء منه، سخر هذه الفنون في توثيق العديد من حياتنا البيئية، حين شارك في إنشاء قرى بأكملها، وساعد في إنشاء عديد من أقسام متاحفنا الرسمية بالمملكة، وكذلك في عديد من المهرجانات، داخل وخارج البلد، وقد تبنى هذه الطريقة كثير من أهالي مجتمعنا وانتشرت هذه الفكرة في الخليج العربي بأكمله.
ومن الهوايات أيضًا، التصاميم البيئية، والإرشاد السياحي، وخصوصًا للباحثين، وطلاب الدراسات العليا، وأساتذة الجامعات، وبعض الدبلوماسيين بشكل رسمي، وكذلك التوثيقات التليفزيونية الرسمية.
توثيق flashback
وأوضح "الغريافي" أن هناك توثيقًا آخر قد اتبعه، وهو ما يعرف بـ "flashback"، وهو عملية إحياء أو استرجاع شيء تلاشى من البيئة، بغرض تصويره، وهذا النوع من التوثيق له صعوباته الكبيرة وتكاليفه الباهظة، لأنك ستعيد إنشاء بيئة كاملة، وتحتاج لخبراء ممَنْ عاصروا تلك التجربة، لاستشاراتهم، وإشرافهم، على ما هو مناسب وغير مناسب.
وهناك أيضًا وسائل أخرى في توثيقات البيئة، كفكرة رسم طرق سياحية للمنطقة، منذ زمن بعيد، وريادات إرشادية، في نفس هذا المجال، وقد لاقت نجاحها، بالإضافة إلى المشاركة في التنقيبات الأثرية، مع الجهات الرسمية المختصة بذلك، ولقاءات مع بعض المعمرين، ممن شهدوا معالم، وحوادث، وأحداثًا كثيرة في المنطقة، والتي قادت إلى تتبعات واكتشافات نتائج تاريخية كثيرة.
عبد الرسول الغريافي
كل هذه التفاصيل التي دخلت بنا عالم السبعينات الميلادية، نراها بعيون "الغريافي" الذي دونها كلمة وصورة، ولكن بالعودة إلي الحاضر، نجده كما هو ابن القطيف العاشق لترابها، تراثها، ما إن يذكر اسمه حتى تشم رائحة الأجداد، والبيوت العتيقة، والجدران الخشبية المنسدلة، ورائحة الماضي الجميل، بكل ما يحمل من إرث ثقافي وما يحوي من بعد اجتماعي، مسقط رأسه حي الكويكب، ومن سكان حي الناصرة، تخرج في جامعة الملك سعود قسم اللغة والأدب الإنجليزي مع مرتبة الشرف، سافر إلى كاليفورنيا -بيركلي California - Berkeley، تخصص في علم اللغة التطبيقية Applied linguistics ، ومن ثم أكمل الماجستير بجامعة "كرست تشرش ينيفرسيتيChrist Church University" دراسات في طرق تدريس اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها، وعمل بتدريس وتعليم اللغة الإنجليزية.
تحدي الصعاب
بيَّن "الغريافي" أن العناء تتبعه رحلة جميلة وشيقة، ويتيح للشخص التعرف على المعارف العلمية، والتعامل مع شرائح مختلفة من البشر، فهناك بعض الظروف التي تضعك أحيانًا في مواقف محرجة، كزيارة ضيف لك في وقت معمعة الدراسة، أو عدم توفر موضوع تود دراسته ولا تجده إلا في أقسام أو جامعة أخرى، أو تعطيل في عدم نزول مادة ما تلزمك للتخرج، ونصح الطلاب بالصبر والتفاني، في سبيل البلوغ للمجد، وعند كل خطوة، أو إنجاز، أو عقبة تجتازها، محذرًا ممن يثبط من عزيمة الطلاب.
اهتمام باللغات
كتب "الغريافي" في مجال اللغة، وما يتعلق بتراثها، من فلكلور ومصطلحات وأمثال، بالإضافة لتدوين بعض الألعاب الشعبية، توجه في البداية لدراسة اللغات، لا اللغة الإنجليزية وحدها فحسب، ولكن لم يتسن هذا له، غير أنه اغتنم الفرصة، في وجود بعض المواد الدراسية المتعلقة بعلم اللغة، فدرس شيئًا من الفرنسية والألمانية، والإيطالية، ثم طور منها بعض الشيء، وأكد أنه لن يتردد في الانخراط في أي مجال فيه اكتساب خبرة أو مواصلة دراسة ولايزال عنده الاستعداد والحنين لذلك.
موسوعة مصورة
وبسؤاله عن حياته العملية وعن اقتراب بزوغ إصدار جديد، أجاب: "هناك ما سبق وأن أعددته منذ زمن بعيد، ولم أنشره بعد وهو عبارة عن موسوعة مصورة متكاملة عن بيئة المنطقة".
المثل والقدوة
أكد "الغريافي" أننا نقابل في حياتنا كثيرًا من الناس، فبعضهم يؤثر إيجابًا وبعضهم يؤثر سلبًا، وبعضهم لا أثر له البتة، فمن جملة من تأثرت بهم والدي وأخي -رحمهما الله- وكذلك ابن عمتي وبعض أبناء العم، وبعض أساتذتي، ولا أنسى من تبادلت معهم الخبرات من الأصدقاء والزملاء، كل أولئك وضعوا لبنات في بناء شخصيتي سواء في التربية أو التعليم أو في كسب الخبرات.
كلمة أخيرة
ووجه في نهاية حديثة كلمة للشباب بقوله: "إن كانت لي كلمة فأنا أستهدف بها الشباب خاصة، حيث أقول لهم إن كانت الخبرات عند الكبار، فأنتم تعقد عليكم الآمال في بناء الوطن ومستقبله، ومستقبلكم، فلا تيأسوا، تعلموا بقدر ما أوتيتم من إمكانيات، تعلموا من أجل العلم لا من أجل الوظيفة فحسب، أعلم أن كسب المعيشة أمر ضروري للحياة، ولكن العلم أولًا، حتى وإن لم تستفيدوا منه في مجال الحياة العملية، فالعلم خير ما يزين به الإنسان نفسه".
[banner id="184150" caption_position="bottom" theme="default_style" height="auto" width="auto" show_caption="1" show_cta_button="1" use_image_tag="1"]
































